مشروع الإحیاء الدیني في فکر الإمام الخمینيّ                 

 

 

مشروع الإحیاء الدیني في فکر الإمام الخمینيّ

 

صائب عبد الحمید

المشروع هو غایتنا دون المصطلح، أم هو إحیاء أم تجدید أم إصلاح أم ثورة أم نهضة أم قیام؟

والوعي دائماً هو المفتاح، هذه ملایین النّاس تعیش المکان والزمان، لکن الذین یعون الحیاة والمحاولات التي یجدر أن تأخذ بها نحو الأفضل والأصلح، هم القلّة، ومن بین هذه القلّة نوادر معدودون تتکامل فیهم الإرادة الی جانب الوعي لیستثمروا أقصی القدرات باتجاه التغییر والإصلاح والإحیاء، قدرات کانت ضائعة ومبعثرة تحت رکام من الجهل والتمزّق وفقدان الأمل، والرکون الی الواقع أیّاً کان.

ومن خصائص الإسلام أنّه دین حيّ، یبعث في النفوس الحیاة والأمل والقدرة علی التقدم والخلق والإبداع، ولیس بینه وبین البلوغ بالناس الی هذا المدی، وهو مدی متحرّك لا رکود فیه، إلا لأن تعیه الناس حقیقة الوعي: «یایها الذین آمنوا استجیبوا لله وللرسول إذا دعاکم لما یحییکم» [الأنفال: 24].

وفي زمن یخیّم فیه الجهل، وتغیب معالم التواصل بین أجزاء الکیان الإسلامي الکبیر، ویتغلغل الاستعمار الغربي محتلاً البلاد ومستثمراً خیراتها لصالحه، مستعیناً بحکّام مستبدّین من أبناء البلاد نفسها یعملون علی ترسیخ التجزئة، وإبعاد الجماهیر عن هویتها الحقیقیة، نحو التبعیة الفکریة والثقافیة.. في أجواء کهذه، لا بدّ من أن تنهض دعوة هنا وأخری هناك تستنهض الناس وتبث فیهم الوعي، متخذة من رسالة الإسلام مادة دعوتها وجوهر حرکتها.

ولقد تمّ ذلك بالفعل وعلی مدی قرن من الزمن، وحتی أیامنا هذه، ففي أواخر القرن التاسع عشر المیلادي شهد العالم نهضة السید جمال الدین الأفغاني التي تلاشت أمامها الحدود الجغرافیة، فامتدّ أثرها في معظم بلاد المسلمین. وهي نهضة کانت أهم أهدافها: التحرّر من هیمنة الاستعمار الغربي، والعمل علی تحقیق وحدة إسلامیة سیاسیة علی هدي القرآن الکریم.

وفي اتجاه آخر تحرّك الشیخ محمد عبده، تلمیذ الأفغاني وصاحبه، حیث کرّس جهده للتغیر في مناهج التعلیم الدیني، إذ رأی أن الدین یعرّف للناس علی نحو خاطئ وکان هو السبب المباشر في غیبة الوعي عند الطلیعة وعند عموم الناس، فمن الفکر والثقافة تنبعث الحرکة التغییریة الشاملة..

وعاود، بعده، نهج الأفغاني في مکافحة الاستعمار والاستبداد عبد الرحمن الکواکبي، وکثیر من القادة الثّوریین في أنحاء متعددة من العالم الإسلامي.. ثم کان لحرکة الشهید حسن البنّا الواسعة أحسن الأثر في عودة الوعي الی المسلمین، وخصوصاً وقد سبقتها وواکبتها حرکات تحرّر ومشاریع نهضة متعددة، منها: ثورة العشرین في العراق، وعمر المختار وعبد القادر الجزائري وابن بادیس في المغرب العربي، ومحمد اقبال ومحمد علي جناح وأبو الأعلی المودودي في الهند وباکستان.

 

هذه مشاریع في النهضة والإحیاء جدیرة بالدراسة والاهتمام، فهي دالّة الحیاة في هذه الأمة، غیر أنها ستبقی المشروع الأکثر کمالاً، والأکبر أثراً هو الذي استطاع أن یحقق أهدافه الکبری علی الصعیدین السیاسيّ والاجتماعي، وهو المشروع الذي قاده وخطّط له الإمام الخمینيّ الراحل، مشروع عاشه صاحبه منذ أیام شبابه، ثم تابع خطواته ومراحله حتی حقق نجاحه الکبیر في إقامة دولة إسلامیة قویة، ثم واصل قیادتها حتی آخر أیام حیاته، عشر سنین أخری بعد انتصاره.

وحريّ بهذا المشروع المظفر، الکبیر، أن یحظی بقدر أکبر من الاهتمام والتعریف والدراسة. وبالتأکید فإن الدراسة الشاملة لهذا المشروع یجب أن تبتدئ بدراسة الظروف التي کوّنت تلك الروح عند صاحب هذا المشروع، ثم مواکبة مراحل المشروع في نموّه واستقامته وحرکته الفکریة والجهادیة حتی الانتصار، وهي مسیرة طویلة بلغت نصف قرن، ثم عهد الدولة بقیادته التي بلغت عقداً من السنین.

والذي ستختص به هذه الوقفة هو التعریف بأبرز آفاق هذا المشروع ومعالمه، وهو موضوع ینبغي أن یعطي تصوراً إجمالیّاً مناسباً، راجین أن تکون لنا فرصة مماثلة في دراسة البعد التاریخي لهذا المشروع الکبیر.

الآفاق والمعالم

أین کان الإمام الخمینيّ ینظر؟ وماذا أراد؟

ما هي الأشیاء والظواهر التي أجّجت في قلبه روح الثورة منذ أیام شبابه، ثم لم تخمد وعلی رأسه هرم الشیخوخة؟ ما الذي کان یرید تغییره؟ وعلی أيّ نحو سیکون هذا التغییر؟ ما هي نقاط الفراغ والثغرات التي مکّنت لذلك؟ وبأي شيء سیملأ الفراغ ویسدّ الثغرات؟

هذه هي الأسئلة التي ستشکل آفاق مشروعه ومعالمه الأساسیة، وقد رأینا أن أهمها یتوزع علی ثلاثة أبعاد رئیسة هي:

البعد الأول: مواجهة الاستکبار والاستبداد

في البدء یؤسّس الخمینيّ الاصطلاح، فیأخذ بالمرء إلی أفق آخر من آفاق المعرفة والوعي، فلیس هو استعمار – أوّلاً – هذا الذي یسمّی بهذه التّسمیة، بل هو استکبار، المنهج الوحید الذي یتعامل به القوي المتکبر المتعالي مع الضعیف الذي لا یملك القدرة علی مقاومته ودفعه. وهو – ثانیاً – المصطلح ذو الدائرة الأوسع، لیشمل القوی الأجنبیة المتنفّذة والمهیمنة علی البلاد وأهلها، وعلی الحکام المستبدّین الدائرین في أفلاك تلك القوی، دائرة الصراع التاریخي الذي کشف القرآن حقیقته وعرّف بطرفیه: مستکبرین، ومستضعفین.

فکیف سیعرّف الإمام بنهجه إزاء ظاهرة الاستکبار وهیمنته؟

«في کل الأحوال شعارنا قطع أیدي الأجانب الشرقیین والغربیین عن البلاد. وذلك لأنّ توقّع تحقّق التطوّر والاستقلال والحرّیة مع دخالة الأجنبيّ لا یعدو أن یکون مجرّد حلم وخیال.. وکل شخص، في أي مقام کان، وبأیة صورة کانت، یفسح المجال لتدخل الأجنبي في شؤون وطننا العزیز، سواء بشکل صریح، أم من خلال الأطروحات التي تستلزم استمرار تسلّطه الأجنبي، أو تعطي إمکانیة تجدید تسلّط، فإن مثل هذا الشخص یعتبر خائناً للإسلام والوطن، ومن الضروري الحذر منه».

ففي الوقت الذي یتوجه فیه هذا الکلام، بشکله المباشر، الی المتنفذ الأجنبي – الاستکبار العالمي – فهو بالدرجة نفسها من الوضوح یتوجه الی الحاکم المستبد، شاه إیران، الذي یمکّن للنفوذ الأجنبي من التغلغل في البلاد والهیمنة علیها، وهذا الوصف بالخیانة إنما یوجّه الیه وإلی حکومته.

ومن زاویة أخری، نقرأ في هذا الخطاب شعارات ثلاثة کبیرة یرفعها الإمام ویسعی الی تحقیقها، وهي: التطوّر، والاستقلال، والحرّیة.

والأفق في ذهن الإمام یتجاوز إیران، فهو تماماً علی سعة الدائرة التي استوعبت الصراع التاریخي بین الاستکبار والاستضعاف، فالهمّ همّ هذه الشریحة الواسعة من أبناء العالم، والتي مثّلها في عصرنا هذا أبناء الشرق عموماً، حیث تحکّمت القوی الغربیة وفرضت سیطرتها.

«إنّ علی الشرق أن یستیقظ .. إنّ علیه أن یستقلّ عن الغرب بقدر ما یستطیع، فإذا کان یستطیع أن یفعل ذلك حتی النهایة فلیفعل، وإذا کان بالفعل غیر قادر علی ذلك فلیفعل المقدور، ولیحاول علی أقل تقدیر أن ینقذ ثقافته».

وهنا یبرز دور الثقافة في الرؤیة الخمینیة لحرکة الشعوب. فإذا استطاعت الشعوب أن تحافظ علی ثقافتها تکون قد صانت هویتها وحصّنت نفسها من الذوبان في المشروع الاستکباري، وبهذا ستبقی ممسکة بمصدر قوتها الذي یبعث فیها علی الدوام روح التحرّر والاستقلال من الهیمنة، أجنبیة کانت أم وطنیة.

«إن اسقاط الطاغوت، أي السّلطات غیر الشرعیة القائمة في مختلف أنحاء الوطن الإسلامي هو مسؤولیتنا جمیعاً یجب أن نستبدل الأجهزة الحکومیة الجائزة والمعادیة للشعب بمؤسسات خدمات عامة تدار وفقاً للقانون الإسلامي، وشیئاً فشیئاً تستقر الحکومة الاسلامیة».

ویعیش الإمام الخمینيّ نصف قرن من حیاته، في إیران وخارجها، وفي مواجهة الحاکم المستبدّ واستنهاض الناس ضدّه، حتی یشکل خطّاً إسلامیاً ثوریّاً لا یرضخ للسلطان وسیاسته الجائرة، ویحثّ علی إضرابات وتظاهرات یقودها بنفسه، في حرکة جماهیریة آخدة بالتوسع والانتشار، ویذهب المئات ثم الألوف شهداء في طریق الحریة والکرامة، وأمثالهم في السجون، ویسجن الإمام نفسه والمقرّبون الیه، ثم ینفی من البلاد في مهجر له مسلسل طویل ینتهي بباریس، ومنها یعود الی طهران بعد أن طردت جماهیره الشاه، وتسقط الحکومة المستبدّة، وتمتلك الجماهیر الثائرة شؤونها، وتعطي صوتها الحر للإمام الخمینيّ الذي فجّر فیها الثورة وقادتها، ثم لأطروحته في الجمهوریة الإسلامیة.

 

البعد الثاني: مواجهة التخلّف والجمود والتعبیة

«لقد بیّنا المخطط التخریبي المفسد للاستعمار، والآن یجب أن نضیف علیه التأثیرات الداخلیة لبعض أفراد مجتمعنا وانهزامیتهم أمام التقدّم المادي للمستعمرین».

وهنا یری الإمام أن الأمة تنقسم الی ثلاث فئات، یمثل الأولی جمهور الأمة، وهو وإن کان یمثّل القوة الحقیقیة التي لا تستطیع حرکة أو دولة أن تنهض من دونها، إلاّ أنه في الأغلب الأعم یدین بالتبعیة، علی نحو ما، الی الفئتین الأخریین، وهما: فئة المتعلّمین والمثقفین بما یمتلکون من وسائل، وهي الفئة التي یمکن التعبیر عنها بالمؤسسة التعلیمیة والثقافیة، ثم فئة علماء الدین أو ما یمکن التعبیر عنها بالمؤسسة الدینیة.

وعلی هذا فهو یخوض نضاله مع المؤسستین بما تمثلانه من رؤی واتجاهات، قاصداً التغییر الجذري الفاعل فیهما، مستنهضاً الجمهور من حوله.

- فعلی صعید المؤسّسة الأولی، یشخّص الإمام الخمینيّ أولاً خطورة الدور الذي تلعبه، فیقول:

«کلنا نعلم أن مصیر أي بلد وأي شعب وأي نظام هو – بعد عامة الجماهیر – بید الطبقة المتعلّمة. والهدف الکبیر للاستعمار الجدید هو وضع یده علی مواضع هذه الطبقة، وکلّ ما لاقاه بلدنا في العقود الأخیرة من صدمة، أو تحمّله من عذاب کان علی أیدي الخائنین من هذه الطبقة. لقد کان الارتباط بالشرق والغرب من قبل المتغرّبین والمتشرّقین ومن یصطلح علیهم بالمتنوّرین، والذین انطلقوا من الجامعات؛ رغم أن قواعدهم الفکریة کانت قد تأسست من قبل  في المدارس الابتدائیة والمتوسطة، سبباً في توجیه الضربات اللامعدودة الی ثقافتنا ودیننا وبلدنا، وذلك لأن هؤلاء الأفراد قاموا من أجل استکمال ارتمائهم في أحضان الشرق والغرب، وفي الأخیر أمیرکا، بتنفیذ کل ما استطاعوا، مما یعود نفعه الی الأجانب».

«لقد مني هؤلاء بالهزیمة النفسیة أمام الغرب، فعاشوا التبعیة الفکریة والثقافیة له بحذافیرها.. ولقد أحسّ هؤلاء بالانهزام عندما رأوا البلاد الاستعماریة، أو بالأحری ناهبي الشعوب الآسیویة والإفریقیة، قد حققوا التقدّم العلمي والصناعي وجنوا الثروات وانتخبوا الکمالیات المختلفة، فظن هؤلاء أن الطریق للتقدم الصناعي هو التخلّي عن عقائدهم وقوانینهم».

وستکون الخطورة أکبر حین یستولي هؤلاء علی المؤسسات التعلیمیة التربویة والإعلامیة بشکل کامل، فینفّذون من خلالها مشاریعهم في طمس هویة الجماهیر، وجرّها في قطار التبعیة الزائفة .. «تعلمون أن العالم الیوم یدور حول محور الإعلام، ومن المؤسف أن من یسمّون بالکتّاب المثقفین، الذین تتجه میولهم الی أحد القطبین، بدل أن یفکروا في استقلال وحریة بلدهم وشعبهم، لا تسمح لهم الروح الاستعلائیة والانتهازیة والاحتکاریة أن یفکروا لحظة وأن یأخذوا بنظر الاعتبار مصالح بلدهم وشعبم».

«وهذا الإحساس المفتعل بالخواء والتخلّف العقلي أدّی الی أن لا نعتمد في أيّ أمر من الأمور علی فکرنا وعلمنا، وأن نقلّد الشرق والغرب تقلیداً أعمی؛ بل إنّ الکتّاب والخطباء الانهزامیین أمام الشرق والغرب راحوا یسخرون ویستهزئون بما عندنا من ثقافة وآداب وصناعة وابتکار، وبذلك استأصلوا أصالة فکرنا وقدرتنا ودفعونا ویدفعوننا الی الیاس، وروّجوا بالفعل والقول والقلم، العادات والتقالید الأجنبیة علی ابتذالها وفضاحتها، وقدّموها الی الشعوب بالمدح والثناء».

وهذا تشخیص دقیق لظاهرة الاختراق الثقافي، وهي القضیة الأکثر خطورة علی واقع الأمة ومصیرها ومستقبلها، ومصدرها الأول هو الشعور بالخواء والهزیمة أمام القوي، شعور یدفع الی التخلي ولو بنسبة کبیرة عن الثقافة الذاتیة، عن الهویة، واتهامها بأنها مصدر الضعف والهزیمة، من دون التمییز بین نوعین من أسباب التطوّر والرقي والتقدّم، أحدهما مستقل، لیس له هویة معینة، ولا وطن محدد، وهو التقدّم العلمي التقني والتجریبي. أما الآخر فهو ابن الهویة، وصورتها الظاهرة في الحیاة، وهو ما تمثله المعارف والافکار والفلسفات والآداب وسائر العلوم الإنسانیة، فلا یمکن لهذه العلوم أن تستقل عن هویتها التي تنتمي الیها. وهذا ما ینبغي تحویله الی ثقافة عامة، فالمطلوب منا تطویر مناهج البحث في سائر العلوم الإنسانیة بما یتلاءم مع طبيعة العصر وحاجاته، من دون أن نجتث جذورها ونستعیر لها جذوراً لیس لها مکان في بیئتنا. فإن اجتثاث الجذور الأصلیة واستعارة الجذور الدخیلة سیترك الأمة لا محالة شاعرة بضیاعها، لا تمثل ثقلاً حقیقیّاً في الواقع، أکثر من کونها ذیلاً تابعاً یجرّه المتبوع وراءه حیث شاء.

وإصلاح الأمر یبدأ من رکنین أساسین: المناهج الدراسیة، ولا سیما الجامعیة، والإعلام. وکلا الرکنین کان محل تأکید الإمام الخمینيّ في مشروعه التغییري الإصلاحي.

- «فالإعلام ینبغي أن یکون صوت الأمة، وصوت الإسلام، وداعیاً الی أحکام الإسلام، ومفعّلاً لهذه الأحکام، ویلزم أن یکون مهذبّاً للمجتمع، وأن یشبع الأخلاق الإلهیة في المجتمع ... إنّ الضربة التي وجهت للإسلام من قبل وسائل إعلام الطاغوت جاءت من جمیعها حتی أصغرها وأقلها شأناً. ولقد جرت المطبوعات الفاسدة وتلك المجلات الأفسد، وذانك الرادیو والتلفاز الأشد فساداً، شبابنا الی مستوی من الفساد والانحطاط لیس من العلوم أن مراکز الفساد والدعارة قد حققته ... تلك المجلات وتلك المطبوعات وذانك الرادیو والتلفزیون وکل وسائل الإعلام هذه بدل أن تستجذب شبابنا الی الجامعة والی العلم والأدب، جذبتهم الی جهة الفساد».

- وعلی الصعید الجامعي، لا بد من أسلمة إنما تعني أحیاء المعارف والعلوم الإنسانیة بما یحفظ لها هویتها الإسلامیة، وإحیاء الشعور بالمسؤولیة إزاء الدین والشعب والوطن. هذا من جانب، ومن جانب آخر، إحداث تغییرات جذریة في مناهج تعاطي هذه العلوم لتکون علی نحو بنّاء وخلاق، وإحداث تغییرات مماثلة في طبیعة التعامل مع الثقافات الأخری، غربیّة أو شرقیة، حیث کانت تعتبر هي الأصول التي ینبغي أن تتبع وأن تحتل موقع الصدارة في ثقافة الفرد في مجتمعاتنا.

هذا هو التصور الواضح للأسلمة في رؤیة الإمام الخمینيّ، وقد أثار استغرابه بعض الأفهام الساذجة التي اعتبرت الأسلمة مساویة للوقوف عند علوم الشریعة الإسلامیة وتعطیل سائر العلوم الأخری من ریاضیات وفیزیاء وکیمیاء وعلوم حیوان ونبات وفلك وطبقات الأرض وغیرها !! أو أنها تعني الإتیان بعلم فیزیاء إسلامي، وعلم کیمیاء إسلامي، وهکذا، بدلاً من هذه العلوم التي تطوّرت في الغرب! الأمر الذي دعاه الی استنکار هذا الفهم الساذج قائلاً: «یلزمني أن أذکرکم بشيء من خلاله یتبین ما هو مقصودنا من إصلاح الجامعات، فالبعض یظنّ أن من یرید إصلاح الجامعات، ویبتغي أسلمتها، فمعنی ذلك أن هؤلاء یعتقدون أن العلوم علی قسمین، فعلم الهندسة قسم منه إسلامي وقسم غیر إسلامي، وعلم الفیزیاء قسم إسلامي وقسم غیر إسلامي، ومن ثم یعترضون من هذه الجهة، هي أنه لا یوجد عندنا علم إسلامي وعلم غیر إسلامي ... والبعض یتوهم أن هؤلاء القائلین بضرورة جعل الجامعات إسلامیة یعنون أنه أن یجب یدرّس في الجامعات علم الفقه والتفسیر والأصول فقط !! إن هذه أشیاء یفتعلها البعض أو یلقي بنفسه فیها، ولکنّ ما نرید قوله هو أنّ جامعاتنا جامعات مرتبطة بالأجنبي، جامعات استعماریة، وأنّ الکثیر من المعلمین متغرّبون، وشبابنا فیها یحلمون بالتغرّب ... إن جامعاتنا لیست جامعات مفیدة للأمة، نحن لدینا جامعات منذ خمسین عاماً بمیزانیات ضخمة تقصم الظهر، وهي حاصل عناء هذه الأمّة، ومع ذلك لم نستطع خلال هذه الخمسین عاماً أن نصل الی حد الاکتفاء في العلوم التي تدرّس في جامعاتنا».

ولکن الإمام لا یفوته التمییز بین واقع الجامعیین عامة طلبة وشباباً، وبین الطبقة الأخری من المثقفین المتغربین، فیؤکد «أن الجامعیین معارضون للاستبداد وللحکومات العمیلة، ومعارضون للتسلط ونهب الأملاك العامة والسرقة والکذب».

کل ما في الأمر أنهم لم یسمعوا بإسلام یعرض عرضاً صمیماً یلفت أنظارهم، فهذه مسؤولیة ملقاة علی عاتق من ینتمي الی المؤسسة الدینیة: «نحن مکلّفون بإزالة الإبهام الذي ألصقوه بالإسلام ... وأن نبیّن الرؤی الإسلامیة للکون والنظم الاجتماعیة والحکومة الإسلامیة ... وتأکّدوا أنکم لو بیّنتم هذا المذهب کما هو في الواقع، والحکومة الإسلامیة علی واقعها فإن هؤلاء سوف یتقبلونها، إذ أنّ الجامعیین معارضون للاستبداد...»

وعلی صعید المؤسسة الدینیة، الحوزة العلمیة

للمؤسسة الدینیة دورها الخطیر وأثرها الکبیر في المجتمع والثقافة، ففي الوقت الذي یمکن لها أن تکون محوراً للحرکة والتطوّر والرقي والتحضر والازدهار والاتحاد، فإنها أیضاً قد تکون واحداً من أهم عوامل الضعف والتخلّف والتمزّق والضیاع. وذلك من خلال برامجها في التعامل مع العلوم التي تتبنّاها ومع المجتمع والواقع.

والإمام الخمینيّ هو ابن هذه المؤسسة الفطن النّبیه، المتمرد علی جمیع أنواع الأمراض الفکریة والاجتماعیة، الباحث عن جذورها وعلّلها، وهو قد أبدی جدارة فائقة وشجاعة فریدة في نقد هذه المؤسسة، وفي تحدید المحاور الأساسیة لإصلاحها من خلال وعیه الدقیق لدورها في المجتمع:

«إنّ نشر الإسلام وبیان مفاهیمه وتوضیح معالمه تحتاج الی إصلاح الحوزات العلمیة، وذلك: بتکامل برامج الدراسة وأسلوب التبلیغ والتعلیم، وتبدیل التراخي والإهمال وعدم الثقة بالنفس بالجد والسعي والأمل والثقة بالنفس ...

وإزالة الآثار الحاصلة في روحیة البعض بسبب دعایات الأجانب وتلقیناتهم ...

وإصلاح أفکار جماعة المتظاهرین بالقداسة الدین یعیقون عملیة الإصلاح في الحوزات والمجتمع.

ونزع عمائم الذین یبیعون الدّین بالدنیا، وطردهم من الحوزات».

فهو هنا یضع أربعة محاور لإصلاح المؤسسة الدینیة:

المحور الأول: المناهج وآفاق التفکیر

فما زالت الحوزات الدینیة تتبنّی مناهج تقلیدیة في التعلیم، وتدور حول مدیات محدودة، ومباحث قلیلة الجدوی في عالمنا المعاصر، فیما تغیب أو تکاد عن الاهتمامات الجادة التي ینبغي أن یکون لها فیها الدور الرئیس.

فیوجّه الإمام نداءه الی جیل الشباب في الحوزة قائلاً:

«أنتم جیل الشباب في الحوزات العلمیة یجب أن تکونوا أحیاء، وأن تقوموا بحفظ استمراریة أمر الله حیّاً ..

وأنتم جیل الشباب تحرکوا باتجاه النضج والتکامل الفکریین، ودعوا التفکیر الهامشي الذي التصق بکثیر من العلوم، لأن هذه النظرة الضیقة تعیق الکثیر منا عن القیام بمسؤولیاته المهمة».

ویأتي بالأمثلة علی محدودیة التفکیر السائد وضیق الأفق، فیقول:

«بما أن محور تفکیر البعض لا یتجاوز محیط المسجد، إذ أنهم لا یمتلکون سعة الأفق، فتراهم – عند الحدیث عن أکل السّحت مثلاً – لا یخطر ببالهم سوی البقّال القریب من المسجد الذي یطفّف في البیع مثلاً، والعیاذ بالله. فلا یلتفتون الی التطبیقات الواسعة والکبیرة لأکل السّحت والنهب التي تمثل ببعض الرأسمالیین الکبار، أو من یختلسون بیت المال، وینهبون نفطنا، ویحوّلون بلادنا الی سوق لبیع المنتوجات الأجنبیة غیر الضروریة الکمالیّة، لکونهم یمتلکون وکالات الشرکات الأجنبیة، ویملأون جیوبهم وجیوب المتموّلین الاجانب من أموال الشعب ... هذا أیضاً أکل السحت وإنّما علی مستوی واسع ودولي، إنه منکر مخیف، وأخطر المنکرات .. أدرسوا أوضاع المجتمع، وأعمال الدولة والجهاز الحاکم بشکل دقیق لتروا أيّ أکل للسحت مرعب یجري عندنا ...».

إنها لیست معالجة للمناهج وحدها، بل لآفاق الفقه أیضاً، وحوار جادّ للانتقال بالفقه من دائرته الفردیة، الضیقة الی دائرة المجتمع الواسعة، لیعالج مشاکل الحیاة والمجتمع ویقدم حلوله المطلوبة لمشکلاتها الحقیقیة المعاصرة. فهذا الانحراف في الدائرة الضیقة عزل الفقه عن الحیاة وأضفی علیه صبغة الجمود والعزلة، حتی أصبح خصوم الإسلام والجاهلین به «یبثون أن الإسلام لیس فیه شيء، وأنه مجموعة من أحکام الحیض والنفاس، وأن علی الملالي – رجال الدین – أن یدرسوا الحیض والنفاس»!

یقول الإمام ضمن تشخیصه لهذه الحالة:

«وهذا صحیح أیضاً، إذ إن الملالي الذین هم لیسوا في وارد التفکیر في بیان نظریات الإسلام وأنظمته ونظراته للکون، ویصرفون أغلب أوقاتهم في ما یقوله هؤلاء، وقد نسوا سائر کتب الفقه وأبوابه، یستحقون التعرّض لإشکالیات وهجمات کهذه، فهم أیضاً مقصّرون».

المحور الثاني: التظاهر بالقداسة

ظاهرة سلبیة انطوائیة، هي من صنف الحالات الصوفیة المتطرّفة في السلبیة والانطوائیة، تجرّ المجتمع الی الوراء، وتعدّ أي محاولة لاقتحام الحیاة وفق مبادئ الإسلام عبثاً وخراباً ومضیعة للوقت الذي ینبغي أن یصرف في مواضع العزلة والانقطاع.

هذه الظاهرة من أکثر الظواهر التي تحمس ضدّها الإمام وکشف عن سطحیتها، بواقعها المزیف، وجابهها في وقت مبکر بکل قوة وشجاعة، في الوقت الذي یشکل فیه هؤلاء تیاراً خطیراً قادراً علی إسقاط خصومه بشتی الأسالیب. یقول الإمام الخمینيّ:

«هناك نمط من الأفکار البلهاء موجود في أذهان البعض، حیث یرون مساعدة المستعمرین والدول الجائرة للمحافظة علی وضع البلاد الإسلامیة بهذه الصورة، ومنع النهضة الإسلامیة. هذه أفکار جماعة مشهورین باسم «المقدسین» بینما هم في الحقیقة متصنّعو القداسة، لا مقدسون. ویجب علینا أن نصلح أفکار هؤلاء، ونوضح موقفنا منهم، لأنّهم یعیقون نهضتنا وعملنا الإصلاحي، وقد کبّلوا أیدینا».

ثم ینقل لنا موقفه المبکر ورؤیته الواضحة إزاء هذا النمط من رجال الدین فیقول:

«اجتمع في منزلي یوماً آیة الله البروجردي، وآیة الله حجّت وآیة الله صدر الدین الصدر، وآیة الله الخونساري لأجل البحث في أمر سیاسي، فقلت لهم: قبل کل شيء احسموا وضع هؤلاء المتقدسین، فإن وجود هؤلاء بمثابة تقیید لکم من الداخل، مع هجوم العدو من الخارج. إن هؤلاء یدعون مقدّسین، لکنّهم لیسوا مقدّسین واقعاً، ولیسوا مدرکین للمصالح والمفاسد، وقد کبّلوا أیدیکم.. فعلیکم إیجاد حل لهؤلاء قبل کل شيء».

المحور الثالث:

یقول الإمام الخمینيّ: «لقد عمل الاستعمار وعملاؤه في الأجهزة التربویة والإعلامیة والسیاسیّة للحکومات العمیلة لمدة قرون علی بث السموم وإفساد أفکار الناس وأخلاقهم. والأشخاص الذین یلتحقون بالحوزة إنما هم من بین أفراد الشعب، ویحملون معهم التأثیرات الفکریة والأخلاقیة السیئة ولا شك، إذ الحوزات العلمیة جزء من الشعب والمجتمع».

وهذا تفسیر منطقي یفهمه من هو قریب من المجتمع، واع بالحیاة ومعادلاتها فهو في منجاة من تقدیس غیر مبرّر للمؤسسة الدینیة بحذافیرها ولکل من انتسب الیها، وکأن من ولج أبوابها قد اجتثت جذوره من ماضیه وحاضره واجتثت صلاته بکل ما حوله لیعیش وسطاً مقدساً یغذیه بالأخلاق والقیم مثلما یغذیه بالعلم والمعرفة ... فرجال الإصلاح وحملة الوعي لا تعنیهم المظاهر الخارجیة والمعاني الاعتباریة بقدر ما یعنیهم الواقع بسلبه وإیجابه. «إن هذه الآثار بشکل ملحوظ، إذ نجد أن البعض منّا في الحوزات یتهامسون بأننا عاجزون عن القیام بمثل هذه الأمور (العمل السیاسيّ من اجل إقامة حکومة إسلامیة) ما لنا ولهذه الأمور؟ نحن علینا أن نعظ ونجیب علی الاستفتاءات فقط ... هذه الأفکار هي من آثار تلقینات الأجانب، وهي من نتائج وصایات السوء التي کان یبثّها المستعمرون خلال هذه القرون المتأخرة، ومن ثمّ تغلغلت في أعماق القلوب في النجف وقم ومشهد وسائر الحوزات، وسبّبت الضعف والوهن، وهي لا تسمح لحاملیها بالرشد والنموّ الفکري».

«لقد أشاعت المؤسسات التبلیغیّة للاستعمار بأن الدین منفصل عن السیاسة، وأن علماء الدین لا ینبغي لهم أن یتدخلوا في أي أمر اجتماعيّ ... وقد صدّقهم البعض مع الأسف، ووقعوا تحت تأثیرهم، وکانت النتیجة ما نراه الآن... إنها أمنیة الاستعمار في الماضي والحاضر والمستقبل».

المحور الرابع: علماء البلاط

طبقة انتهازیة وضیعة مني بها الإسلام والمسلمون في کل زمن منذ أیام معاویة وحتی الیوم، همّهم التقرب الی السلطان وجلب مرضاته، فیحرّفون الدین بالتأویلات الباطلة، وفي ما یسمّونه أحیاناً بالحیل الشرعیة، وبالألاعیب المختلفة، حمایةً للسلطان وتسویغاً لسیاساته وأعماله، مکثرین من الدعاء له والدفاع عنه بشتی الأسالیب.

طبقة منافقة مزیفة لا بدّ من فضحها وطردها من المجتمع، أو تتوب وتعود الیه بوصفها جزءاً منه لها ما له وعلیها ما علیه ... وهذا ما حدّده الإمام منذ البدایة، حین جعل أحد أهم الواجبات الضروریة لإحیاء المجتمع ونشر التعلیم الإسلامي الصّحیح، أحد أهم هذه الواجبات هو «نزع عمائم معمّمي البلاط ... وطردهم من الحوزات».

وهکذا تعدّ المحاور لتستوعب هذه القضیة من جمیع جوانبها، إنها الرکن المهم الذي یجب أن یلعب دوره المباشر في عملیة التغییر والإصلاح، ومن هنا کثرت النداءات البلیغة لهذه الطبقة من قبل الإمام وفي مختلف المناسبات:

- «أبعدوا هذا الجمود عنکم ... أکملوا وأنضجوا برامجکم وأسالیبکم التوجیهیة... وأبذلوا الجهود في نشر الإسلام وتعریفه .. وصمّموا علی إقامة الحکومة الإسلامیة ... وبادروا للتقدّم في هذا الطریق ..».

- «ضعوا أیدیکم بأیدي الشعب المناضل والباحث عن الحریة .. ثقوا بأنفسکم، فأنتم تمتلکون القدرة والجرأة والتدبیر للنضال في سبیل تحریر الأمة واستقلالها...».

- «فالفقیه هو الذي لا یخضع لنفوذ الأجانب، ولا یرکع للآخرین.. ویدافع الی آخر نفس عن حقوق الشعب، وعن الحریة والاستقلال، وأراضي الوطن الإسلامي، والفقیه هو الذي لا ینحرف یمیناً وشمالاً».

البعد الثالث: التأسیس والتنظیر

لعلّ من أهم الإشکالیات التي ظلت تلاحق حرکات التحرّر ومشاریع النهضة الإسلامیة غیاب النظریة الواضحة في طبیعة نظام الحکم الإسلامي وشکله، ففیما تتّسع مساحة النقد وتشخیص الأخطاء التي ینبغي تغییرها وتصحیحها، یغیب، أو یکاد، الإطار العام لنظریة واضحة المعالم تعتمد في الإصلاح والتغییر، وفي فتح الأبواب الجدیدة لحرکة متطوّرة، لا تتوقف ولا تتلکأ. وما یقدم عادة من طروحات لا یتجاوز الخط العام الذي أصبح في هذا الزمن بحاجة الی مزید من التفصیل والمعالجة لنواحیه وشعبه وتقسیماته والأسلوب الذي ینبغي اعتماده خلال ذلک کلّه.

لقد قامت الکثیر من الجهات الإسلامیة بحرکات سیاسیة کبیرة، واقتربت من الحسم لصالحها، لکنها تعثرت في هذه النقطة؛ إذ لم تتوّفر علی الرؤیة الواضحة في طبیعة النظام الذي تریده وشکله، فثورة العشرین في العراق، وبعد أن خاضت معارك واسعة مع الاستعمار البریطاني واتسع جمهورها في أرجاء العراق کلّه، وبعد أن أصبحت قیادتها قادرة علی فرض شروطها علی الإنکلیز رضیت بأمور ضعیفة لا تتناسب مع ضخامة تضحیاتها وسعة جمهورها، إذ اختزلت الأمر بالمطالبة بحاکم عربي، لا غیر، وإجراء تعدیلات محدودة، علی الدستور.

والی هذا المستوی، أو الی مستوی قریب منه، انتهت الحرکة الدستوریة في إیران (المشروطة)، فبعد أن حققت الانتصار وطردت الشاه تنحّت جانباً واختزلت الأمر ببعض الإصلاحات الدستوریة، الأمر الذي انقلب بعد عام واحد أو أکثر بقلیل لیعود الشاه الی سلطانه وجبروته.

من هنا یتمیز مشروع الإمام الخمینيّ بأنه المشروع الأکمل، فبعد أن حدّد ما یرید طرده وتغییره، وضع البدیل الواضح المحدّد المعالم في إطار نظريّ متکامل، ثم أضاف ما یضمن قدرة هذه النظریة علی استیعاب مستجدات الحیاة وتطوراتها ...

وهنا نقف علی قضیّتین أساسیتین مثّلتا الإطار النظريّ للحکم الجدید، وقابلیته للانفتاح علی الحیاة.

الأولی – التأسیس في الفقه السیاسيّ الإسلامي:

إذا کان الإمام الخمینيّ قد عرف ما لا یریده، فجاهد من أجل تغییره، فهو في الوقت نفسه قد عرف ما یریده، فأسس له ونظّر، ووضع أطروحة متکاملة لمشروع الحکومة الإسلامیة التي یدعو إلیها ویطالب بها ... فهو لم یکن یرید تغییرات دستوریة محدودة یعود الحاکم لیلتفّ علیها من جدید بمجرّد إحساسه بالقوة ... ولم یکن یرید تغییر هذا الحاکم والمجيء بآخر قد یتحول بعد قلیل الی طاغیة جدید ... لم یکن یکتفي بإجراء بعض التغییرات علی النظام الداخلي والأمني، أو علی العلاقات الخارجیة ... إنه کان یرید، وبکل وضوح، إجراء التغییر الشامل لشکل النظام وطبیعته، وإحداث نظام إسلامي یؤسس نظامه الداخلي وعلاقاته الخارجیة علی أساس مبادئ الإسلام والمصالح الإسلامیة العالیة.

ولکي یتحوّل هذا الفهم من الحالة الشعاراتیة الی المستوی العملي المعقول، فلا بدّ من أن یجیب علی أسئلة متعددة.

أولها: هل للدین علاقة بالسیاسة؟

ولقد أجاب الإمام بکل جدارة عن هذا السؤال، وأثبت أن هذه الإثارة إن هي إلا من دسائس الغربیین الذین أرادوا أن یتعاملوا مع الإسلام کما تعاملوا مع المسیحیة، وقد روّج لها ضحایا الاختراق الثقافي الغربي أو الشرقي، وصدّقها بعض رجال الحوزة ... وقد مرّت آنفاً فقرات من إجابات الإمام الخمینيّ علی هذه الشبهة.

وثانیها: ما هي علاقة الفقه بذلك کله؟

وهذا أیضاً قد أکثر الإمام في الإجابة علیه وتوضیحه، مبیّناً أنه من بنات الشبهة الأولی التي فصلت السیاسة عن الدین، فهي لا بدّ من أن تکتمل، ولا بدّ من أن تبعد الفقیه والمثقف الدیني عن السیاسة، ولیشتغل بالإطار الدیني الذي حدّدوه هم من عند أنفسهم ... وبعد ما قدّمناه مما یفید في بیان جوانب هذه القضیة من کلمات الإمام، نورد هنا قوله:

«إذا أنتم أستطعتم أن تعوا وتفهموا معنی الدین في ثقافتنا الإسلامیة، فإنکم ستشاهدون بکل وضوح أن لا تناقض بین القیادة الدینیة والقیادة السیاسیّة، بل کما أن الکفاح السیاسيّ جزء من الوظائف والواجبات الدینیة، فإن القیادة وتوجیه الکفاح السیاسيّ بعض من وظائف ومسؤولیات القیادة الدینیة».

«إنّ أحکام الإسلام المقدّسة تتعرض للأمور السیاسیّة والاجتماعیة أکثر من تعرضها للأمور العبادیة .. ومنهج نبي الإسلام، بالنسبة الی شؤون المسلمین الداخلیة والخارجیة، یدلّل علی أن إحدی أهم المسؤولیات الکبری التي کان یتحمّلها شخص الرسول الأکرم (ص) هي مهمة الکفاح السیاسيّ».

وثالثها: ما هو الدّلیل علی ضرورة قیام حکومة إسلامیة بعد الرسول (ص)؟
وجواب الإمام علی هذا السؤال جواب تاریخي، ومنطقي، وفقهي مفصّل وواسع، ننتخب بعض ما یشیر الی أبعاده المختلفة.

-1 «نحن نعتقد بالولایة، ونعتقد بلزوم تعیین النبي (ص) لخلیفة، وأنّه قد عیّن کذلك، فهل تعیین الخلیفة هو لأجل بیان الأحکام؟

فبیان الأحکام لا یحتاج الی خلیفة، إذ کان قد بیّنها الرسول (ص) بنفسه، أو کتبها جمیعاً في کتاب وأعطاه للناس لیعلموا به.

وکون تعیین الخلیفة لازماً عقلاً إنما هو لأجل الحکومة، فنحن نحتاج الی خلیفة لکي ینفذّ القوانین».

علماً أن «لزوم تعیین الخلیفة» کلمة إجماع عند المسلمین، وإنما الخلاف في أصل هذا الوجوب هل هو العقل أم الشرع، فقد أسنده بعضهم الی العقل، وبعضهم الی الشرع.

-2 «وضع القوانین بمجرده لا فائدة فیه، ولا یؤمّن سعادة البشر، فبعد تشریع القانون یجب ایجاد سلطة تنفیذیة، ففي التشریع أو الحکومة إذا لم یکن ثمّة سلطة تنفیذیة یکون هناك نقص، ولذا فالإسلام قام بوضع القوانین وعیّن سلطة تنفیذیة أیضاً، فوليّ الأمر هو المتصدّي لتنفیذ القوانین أیضاً».

ویلتقي مع هذا الاستدلال استدلال الغزالي، بأن نظام أمر الدین مقصود لصاحب الشرع قطعاً، وهذا لا یتم إلا بإمام مطاع. ومع استدلال الماوردي بأن طاعة أولي الأمر التي أوجبها الله تعالی في القرآن تقتضي نصبهم وإمامتهم، فأولو الأمر هم الأئمة المتأمرون.

-3 «إن ضرورة تنفیذ الأحکام التي استلزمت تشکیل حکومة الرسول الأکرم (ص) لیست منحصرة ومحدودة بزمانه (ص)، فهي مستمرة أیضاً بعد رحیله، وفقاً للآیات القرآنیة الکریمة؛ فإن أحکام الإسلام لیست محدودة بزمان ومکان خاصّین، بل هي باقیة واجبة التنفیذ الی الأبد؛ فلم تأت لأجل زمان الرسول الأکرم (ص) لتترك بعده، فلا تنفّذ أحکام القصاص، أي القانون الجزائي الإسلامي، أو لا تؤخذ الضرائب المقرّرة، أو یتعّطل الدفاع عن الأراضي والأمة الإسلامیتین.

والقول إنّ قوانین الإسلام قابلة للتعطیل، أو إنها منحصرة بزمان أو مکان محددین، خلاف الضروریات العقائدیة في الإسلام.

وعلیه، فبما أن تنفیذ الأحکام ضروري بعد الرسول الأکرم (ص) والی الأبد، فإن تشکیل الحکومة وإقامة السلطة التنفیذیة الإداریة یصبح ضروریّاً».

-4 «لم یتردّد من المسلمین في لزوم الحکومة بعد رحلة الرسول الأکرم (ص)، فلم یقل أحد: لا حاجة لنا بالحکومة. إذ لم یسمع کلام کهذا من أحد علی الإطلاق؛ بل کان الجمیع متّفقین علی ضرورة تشکیل الحکومة، وإنما کان الاختلاف حول من یتولّی الأمر ویکون رئیساً للدولة. لذا شکلت الحکومة بعد رحیل الرسول الأکرم (ص) في زمن الذین تصدّوا للخلافة بعده، وفي زمن أمیر المؤمنین (ص)، وکان هناك نظام حکومي تجري من خلاله عملیة الإدارة والتنفیذ».

ولیس في هذا الکلام خلاف بین علماء الإسلام المتقدّمین، بل حتی المتأخرین الی أن تضافر عاملان اثنان علی تولید الرأي المخالف لدی علي عبد الرازق في کتابه: «الإسلام وأصول الحکم» ... والعاملان هما: نقل السلطة العثمانیة في ضبط الإدارة وتطبیق الأحکام وتجدید الفقه بما یتلاءم ومتطلّبات العصر ... ثم تفشّي التأثیر الغربي ثقافیاً وسیاسیاً وظهور حرکات الانفصال داخل الدولة العثمانیة، حرکات قومیة أو وطنیة، رأی فیها الناس خلاصاً من التخلّف العثماني علی مختلف الأصعدة.

-5 هناک ضرورات داعیة إلی إقامة الحکومة الإسلامیة، من بینها:

أ- «ماهیة القوانین الإسلامیة – أحکام الشرع – وکیفیتها: فماهیة هذه القوانین تفید أنها قد شرّعت لأجل تکوین دولة، ولأجل الإدارة السیاسیّة والاقتصادیة والثقافیة للمجتمع، ومن هذه القوانین «الأحکام المالیة» و«أحکام الدفاع الوطني» و«أحکام إحقاق الحقوق والأحکام الجزائیة» و«ضرورة الوحدة الإسلامیة».

-6 بعد الأدلة العقلیة والتاریخیة، وضرورات الدین والواقع، یأتي الاستدلال بالنصوص الحدیثة الکثیرة التي تقضي بلزوم تأسیس حکومة إسلامیة عادلة تحفظ نظام الإسلام وحقوق الناس ونظام الأمة.

التأسیس النّظري للحکومة الإسلامیة:

والسؤال الرّابع والمهم، والذي سیمیّز مشروع الإمام الخمینيّ من غیره، هو: ما هي طبیعة الحکومة الإسلامیة؟ وهل لدینا أطروحة لنظام حکم إسلامي؟

هنا قدّم الإمام أطروحته المتمثّلة بنظریة «ولایة الفقیه».

ولم تکن هذه النظریة عند الإمام إجابة اضطراریة تحت ضغط الواقع وإلحاحه. فهو لم یقدّم هذه النظریة بعد أن أسقط النظام الملکي وأصبحت إدارة الدولة وشؤونها مسؤولیته التي لا مفر منها. لیست «ولایة الفقیه» عند الإمام من إفرازات ظروف کهذه؛ بل کانت أطروحته التي أعدّها في أیام مواجهته الطویلة للنظام، وبالتحدید في أیام هجرته في العراق. ففي العراق طرح هذه النظریة بشکلها الواسع والمتکامل والمفصّل، وألقاها علی طلابه في الآونة الواقعة ما بین 13 ذي القعدة و3 ذي الحجة من سنة 1389 هـ.ق.1968م. ثم طبعت في کتاب لأول مرة في بیروت سنة 1970م. فیما کان انتصار الثورة الإسلامیة بقیادته قد تحقق سنة 1979م.

وهذه الصفة تمنحها درجة إضافیة من القوة، مع العلم أنها لیست النظریة الوحیدة التي یمکن من خلالها إقامة حکومة إسلامیة، لکنها نظریة قد کان لها الفضل الأکبر في خلاص الدولة بعد انتصار الثورة من الحیرة والتخبّط في البحث عن شکل للحکومة والنظام.

التجدید في الاجتهاد:

الأهم، بعد قیام الحکومة الإسلامیة، هو المشروع الذي یضمن لها الاستمرار الطبیعي، أي الذي تحافظ من خلاله علی مبادئها وأهدافها التي قامت لأجلها، والذي یجعل وجودها وبقاءها أمراً طبیعیّاً، لا تناقض فیه.

وهي، لأجل ذلك، لا بدّ لها من أن تسلّح بما یؤهّلها للانفتاح علی الحیاة، والاستجابة لمتطلّباتها، وتقدیم الحلول الناضجة لأسئلتها المتجدّدة.

ومما لا شك فیه أن وجود ذهنیة فقهیة تقلیدیة، تتحرك ضمن آفاق محدودة، سوف یعرّض الحکومة الی سلسلة لا تنتهي من الإحراجات، نهایتها الفشل الذي سیحوّل السلطة الی سلطة مستبدة بعد أن تکون قد شعرت بأن وجودها لم یعد یمثّل الحالة الطبیعیة، وأنها لم تعد تمثّل الاستجابة المطلوبة لاحتیاجات الواقع والمجتمع في هذه المرحلة.

وهنا یأتي دور التجربة في الخلق والإبداع والابتکار، فالاستجابة لا تکون سابقة علی التحدّي، وإذا کنا نؤمن بان الإسلام صالح لکل زمان ومکان، فهذا یعني أنه یمتلك القدرة علی الاستجابة لجمیع التحدّیات «الزّمكانیة» (الزمانیة – المکانیة» ... وهذا یقتضي التجدید في أدوات التعامع مع التحدیات المستجدة ولغته، الأمر الذي یضیف به الأفق التقلیدي الذي توقف عند أطر معینة نظر إلیها نظرته الی ثوابت الشریعة.

وهنا تظهر جدارة الفقیه في التمییز بین ما هو ثابت وما هو متحوّل، وجدارته في اکتشاف الضوابط العامة التي تستوعب المزید من التفریعات اللازمة لمتابعة حرکة الحیاة الدائبة والمتطوّرة.

فلا بدّ للفقیه من أن ینتقل من وعي النص الی وعي الموضوع، فالحکم الذي یحمله النص إنّما هو بإزاء موضوع معین، والموضوع ستدخل فیه عوامل الزمان والمکان، وعندئذ لا معنی للتّمسّك الحرفي بالنصّ، وقد تغیّر موضوعه. فالفقه هو البحث عن الأحکام للموضوعات المتغیّرة، ولیس هو الجمود عن النص وإهمال الموضوع؛ أي موضوع الحکم.

من هنا أطلق الإمام نظریته الشهیرة في «تبدّل الأحکام بتبدّل الزمان والمکان»، وهو لا یرید بهذا أنّ الأحکام الشرعیة في ذاتها سوف تتبدّل، وإنما یرید التأکید أن الزمان والمکان سیکونان سبباً في تغییر الموضوع لبعض الأحکام الشرعیة، فإذا تغیّر الموضوع أصبح ضروریاً تغیّر الحکم علی أثره.

یقول الإمام:

«الزمان والمکان عنصران أساسیان مصیریان في الاجتهاد، فظاهر القضیة التي کان لها حکم معین في السابق قد ینطبق علی قضیة أخری، ولکن هذه القضیة الثانیة ذات الظاهر نفسه قد تستلزم حکماً جدیداً.

فالمجتهد ینبغي أن یکون محیطاً بالقضایا المعاصرة ... ولا تستسیغ الجماهیر والشباب، وحتی العامة، أن یقول مرجعها الدیني: لیس لي رأي في القضایا السیاسیة».

ویقول في موضع آخر:

«نصیحة أبویة أذکّر بها الأعزة أعضاء مجلس صیانة الدستور ... فإن واحدة من القضایا المهمة للغایة التي تقتضیها طبیعة العالم المعاصر المتخم بالاضطرابات هي ملاحظة دور الخصائص الزمانیة والمکانیة في الاجتهاد ونوعیة القرارات المتّخذة».

ولقد کانت هذه الحاجة في إطارها العام واضحة لدیه تماماً قبل أن یحتك بتجربة الحکم، فلقد کان علی احتکاك مباشر بالحیاة الاجتماعیة وتطوراتها، مختلفاً تماماً عن النمط التقلیدي من الفقهاء الذین توقفوا عند حدود الموروث الفقهي وإن قالوا بفتح باب الاجتهاد.

هو صریح في أنّ الاجتهاد بالحدود المعروفة والمألوفة غیر کاف، فلا بدّ من نظرة أوسع في الظروف التي تدخل في استنباط الأحکام. فلیس المهم أن یکون باب الاجتهاد مفتوحاً، کما هو مألوف.

«لکن المهم هو المعرفة الصحیحة للحکم والمجتمع التي علی أساسها یستطیع النظام الإسلامي أن یخطط لصالح المسلمین؛ فوحدة الرؤیة والعمل ضروریة. ومن هنا فإن الاجتهاد المصطلح علیه في الحوزات غیر کاف ... وما لم یکن لعلماء الإسلام حضورهم الفاعل في جمیع القضایا والمشاکل فلن یستطیعوا إدراك حقیقة عدم کفایة الاجتهاد الإصطلاحي».

وهکذا تتکامل الأبعاد الأساسیة في مشروع نهضة حضاریة شاملة، لم تقف عند حدود التحرّر الشکلي من الهیمنة الأجنبیة کما فعلت حرکات التحرّر الإسلامیة المتعددة، کحرکة عمر المختار وعبد القادر الجزائري وثورة العشرین والمشروطة ... کما تعدّت حدود الإصلاح السیاسيّ الأوسع الدّائرة التي ناضل من أجلها السید الأفغاني والکواکبي ... ثم هي أکبر بکثیر من دائرة الإصلاح الدیني التي أسس لها الشیخ محمد عبده وأوسع من دائرة الإصلاح السیاسيّ والاجتماعي والتربوي التي قادها الشهید حسن البنّا، فهي نهضة شاملة في هذه المیادین جمیعها ... یحق للأمة المسلمة أن تفتخر بها بوصفها مشروعاً إسلامیّاً حضاریّاً معاصراً، أثبت وجوده الفعلي علی الواقع في خضمّ صراعات الحضارات، وخاض المعادلات الصعبة منفتحاً علی خصائص الحیاة المتغیّرة وشروطها، جامعاً شرائط المشروع المتکامل الذي یجب عن أسئلتها، ویقدم الاستجابات المبدعة والخلاقة علی تحدّیاتها.

 








Skip Navigation Links
دستور الجمهورية الاسلامية الايرانيةدستور الجمهورية الاسلامية الايرانية
ذكرياتذكرياتExpand ذكريات
المقالاتالمقالات
سيرة الإمام الخميني (ره)سيرة الإمام الخميني (ره)Expand سيرة الإمام الخميني (ره)
كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)Expand كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)
احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)Expand احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)
الوصية الإلهية السياسيةالوصية الإلهية السياسيةExpand الوصية الإلهية السياسية
اشعار حول الامام اشعار حول الامام Expand اشعار حول الامام