مجالسة الأصدقاء والأحبة                 

القسم الثاني عشر

مجالسة الأصدقاء والأحبة

 

رعاية التراتب لدى التعاطي مع الأفراد

امتاز الإمام الخميني، قدس سره، بنظرة ثاقبة ولماحية ملفتة في معرفته للأفراد، وتقييمه لشخصية كل واحد منهم. ولذا فكان يتعاطى مع أي شخص تربطه صلة به، على أي مستوى من المستويات، بطريقة تتناسب مع شأنه ومكانته ومقامه. وهكذا، التزم سماحته برعاية تراتب الناس وتفاضلهم، الذي كان يحدده من وحي المقاييس الإلهية السامية، بدقة متناهية وفي جميع الظروف والحالات. أما المرات المعدودة التي خفي فيها علينا سر تعاطيه المفاجئ، سلبياً أو إيجابياً، مع بعض الأشخاص، فقد تكفلت الأيام بكشف السبب الذي أدى إلى ذلك التعاطي، والحكمة التي أحاطت به. ولكن اللغز الأكبر الذي ما انفك يستعصي على الفهم والإحاطة والتحليل، هو روح الإمام المقدسة ونفسه الطاهرة المطمئنة.

ذات يوم، تقرر أن يقوم أحد الشخصيات الثورية، التي كانت قد اكتسبت مكانة أسطورية لدى الناس في ذلك الحين، بزيارة الإمام الخميني، لأول مرة في مدينة كربلاء. وفي الموعد المحدد، اجتمع عدد من الأصدقاء في منزل سماحته لحضور اللقاء. وقياساً على اللهفة التي كانت تسكن أنفسهم على رؤية تلك الشخصية، فقد توقعوا أن يسود جو الإثارة والتشويق على اللقاء المنتظر بين الرجلين. ولكن الحسابات لم تكن دقيقة تماماً. عندما دخل الضيف الكريم إلى المجلس، حدث الشيء الذي أثار استغراب الحاضرين. إذ أنه تقدم نحو سماحته بطريقة ملؤها الاحترام والتواضع، وانحنى أمامه مقبلاً يده الطاهرة. فما كان من الإمام إلا أن عامله كأي زائر عادي من الزوار الذين يفدون عليه باستمرار. وفي الوقت الذي لم يتمالك فيه الحضور أنفسهم، حيث هبوا من أماكنهم احتفاءً بالشخصية القادمة وتكريماً لها، لم تصدر عن سماحته أدنى حركة تدل على تأثره بالموقف! رؤية هذا المشهد، كان له وقع الصدمة على الجميع. ولكن عندما تبين لنا بعد مدة أن الشخص المذكور، كان قد أطلق سراحه حيث ترك إيران طوعاً، انتبهنا لدقة نظر سماحته وحسن تقديره للأمور. وبذلك توضحت الصورة للجميع، حيث وجدوا الجواب المناسب على الأسئلة التي راودت أذهانهم منذ أشهر خلت. وهكذا، فقد حُل هذا اللغز بعد مرور فترة من الزمن. ولكن لغز الإمام، هو الذي بقي مستعصياً على الفهم والإدراك.

من جهة أخرى، أحاط الإمام بعض الأشخاص الذين لم يتمتعوا بالتقدير المطلوب لدى الآخرين برعاية خاصة ومحبة خالصة. ومن جملة هؤلاء الأشخاص، الشيخ المسيب، الذي كان من محبي سماحته في النجف الأشرف. وقد توفي على أثر إصابته بداء السرطان، قبل مدة قصيرة من رحيل الإمام. وقد أبدى سماحته عاطفة كريمة تجاه الشيخ حتى آخر أيام حياته، وبصورة تفوق الحد المتوقع. حتى أنه علق ذات مرة، عندما ذكر اسم الشيخ المسيب في مجلسه، قائلاً: (الشيخ المسيب، خاصتنا؟).

إحدى المشاهد التي كانت تبين بوضوح تام، درجات الاحترام والتقدير التي يكنّها الإمام لمختلف الأفراد والشخصيات، هي الجلسات الليلية التي كانت تعقد مساء كل يوم، بعد ساعتين ونصف الساعة من حلول المغرب، في صالة الاستقبال الخارجية من منزله في النجف الأشرف. في هذه الجلسات، كان سماحته يجلس إلى جانب الباب الداخلي الذي يؤدي إلى الغرفة الخاصة، في الجهة المقابلة للباب الذي يفد منه الزوار، ليستقبل العلماء والفضلاء وطلبة العلوم الدينية في النجف، وبالإضافة إلى عدد من الناس العاديين الذي كانوا يتشرفون بزيارته. ومع بدء توافد الضيوف، كان سماحته يبادر إلى التأهيل بهم بطرق مختلفة تتفاوت بتفاوت الزوار القادمين إذ أنه كان يكتفي برد التحية والسلام على البعض منهم. ويزيد عبارة (مسّاكم الله بالخير) على التحية، بالنسبة للبعض الآخر. وينحني قليلاً وهو جالس على الأرض، عند قدوم بعض الأفراد. ويضع يديه على الأرض كعلامة على أنهم يهم بالنهوض، لدى قدوم أفراد آخرين. وينهض بنصف جسمه عن الأرض، من أجل بعض الأشخاص. وينهض بنصف جسمه حتى يشارف على الوقوف، من أجل أشخاص آخرين. وينهض واقفاً بقامته المجللة كاملة، في بعض الحالات فقط. أضف إلى ذلك، أنني شاهدت شخصياً سماحته وقد وقف وقفة كاملة مرحباً، وشايع حتى الباب مودعاً، شخصين فقط من بين زواره، وهما: المرحوم آية الله بحر العلوم، والمرحوم آية الله الشيخ محمد حسين الدهاقاني. وكلاهما كانا من علماء النجف الأشرف الأجلاء.

ومن الجدير بالذكر أن طريقة الإمام في التعاطي مع الآخرين، التي تنوعت بتنوع الأفراد من حيث المرتبة والشأن والمقام، بقيت ثابتة واحدة منسجمة، حيال كل فرد بحد ذاته. والأهم من ذلك، أنه عندما كان يلتقي شخصاً يتمتع بصفتين، أو بالأحرى بمركزين يتميز كل واحد منهما بشأن خاص، كان يتعاطى معه كل مرة، بأسلوب يتناسب مع الموقع الذي هو فيه.

في مجال المعاشرة، ومجالسة الأصدقاء والأحبة

لقد اتسم الإمام الخميني بحضور يفيض بالمحبة واللطف والحنان، حضور آسر جذب الناس إليه وشد القلوب إلى وهجه. كان شمساً اذابت الصدأ والقساوة عن القلوب المتحجرة، وبحراً ارتوت من فيض أمواجه الأفئدة الظمآنة.

ولكن الوضع كان يتغير في مجال اداء المهمات والتصدي للمسؤوليات، وفي محيط عمله ومشاغله، حيث كان يبدو كجبل أشم ذي بنيان مرصوص، لا تهزه رياح الحوادث والعواصف والصعاب. لم يتخل سماحته عن صلابته أبداً في هذا المجال، ولم تلن قناته أبداً في مواجهة المسؤوليات الجسام. إذ إن القلة المعنوية الرفيعة التي كان يتربع فوقها، لم تدعه يستسلم ويذعن ويلين، إلا أمام الملكوت الأعلى. ولذا فكان ينسلخ عن جميع القيود العاطفية في سبيل الله عزّ وجلّ، ولا يضع نصب عينيه سوى الحق ورضاه.

وكما أشرنا سابقاً، فقد حرص سماحته على رعاية شخصيات الأفراد الذين يلتقي بهم، واحترامها على أحسن نحو ممكن. كما حرص على أكبر قدر من الجدية والحزم والفعالية، في مجال إنجاز الأعمال والمهمات. أما عند مجالسة الأصدقاء والأحبة، بعيداً عن أجواء المشاغل والملفات، فكان الوجه الآخر لسماحته يبرز بصورة جلية، حيث المزاح والملاطفة وتجاذب أطراف الحديث، وإضفاء جو من الحبور على الجلسة. أما في البيت وداخل الأجواء الأسرية، فقد كان نموذج الزوج الصالح، الأب المحب، والجد الحنون الذي يرعى أفراد عائلته، ويحيطهم بدفء عاطفته وحنانه.

هذا وقد شاهدت مرات عديدة، الاحترام الفائق الذي يكنّه الإمام لآية الله السيد بسنديده، شقيقه الأكبر وأستاذه في مرحلتي الطفولة والفتوة، حيث كانت يجله كأستاذ من أساتذته، ويسمو في تعامله معه إلى درجة وضعه في موضع الأبوة. وفي مجالس الأنس والصداقة، وبعيداً عن المسائل السياسية، كان الإمام يتحدث إلى أخيه ويتقصى أخباره، ويسأله عن أحواله ومشكلاته الحياتية، ويستمع إلى عرض لمشاغله اليومية، بصورة طبيعية جداً، وبسعة صدر مميزة.

 

 

 

 

 

 

 



تعداد بازدید:  2113




Skip Navigation Links
دستور الجمهورية الاسلامية الايرانيةدستور الجمهورية الاسلامية الايرانية
ذكرياتذكرياتExpand ذكريات
المقالاتالمقالات
سيرة الإمام الخميني (ره)سيرة الإمام الخميني (ره)Expand سيرة الإمام الخميني (ره)
كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)Expand كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)
احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)Expand احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)
الوصية الإلهية السياسيةالوصية الإلهية السياسيةExpand الوصية الإلهية السياسية
اشعار حول الامام اشعار حول الامام Expand اشعار حول الامام