الحرص على مصالح المسلمين                 


القسم الحادي عشر

الحرص على مصالح المسلمين

إرجاع الأمور إلى المسؤولين

لقد سعى الإمام الخميني، قدس سره، طوال فترة تصديه لقيادة الشعب والدولة إلى وضع الأمور في مجراها الطبيعي. لذا فكان يُرجع الكثير من الملفات والقضايا المطروحة عليه إلى المسؤولين المعنيين، بالرغم من وجوده في قمة هرم الدولة الإسلامية، وتمتعه بالكلمة الأقوى والأشد تأثيراً، وذلك من أجل حفظ مكانة هؤلاء، واحترام شأنهم ومواقعهم. إلى جانب ذلك، كان سماحته يعمد إلى رسم الخطوط العامة وشرح المبادئ الأساسية التي تظلل كافة المناصب والمواقع داخل هيكلية النظام الإسلامي، وإلى مراقبة حسن سير الشؤون العامة في الوزارات، والتزام المسؤولين بالمسؤوليات الملقاة على عاتقهم، وذلك من دون التدخل المباشر في مسار الأمور، أو التعليق الجزئي عليها.

وفي بعض الأحيان، كانت تصله طلبات معينة، أو شكاوى على فرد أو إدارة ما. عندها، كان يتابع المسألة عبر أعلى سلطة مختصة، مبيناً الحكم الكلي، وتاركاً للمسؤول المعني، تشخيص المصاديق والمواضيع الجزئية. ومن باب المثال، أذكر أن سماحته قد أجاب في العديد من المرات التي كان يسأل فيها عن نقاط تتعلق بالحرب، على النحو التالي:

اسألوا الشيخ هاشمي رفسنجاني (على أساس أن سماحة الشيخ رفسنجاني، كان قد عين نائباً للقائد العام للقوات المسلحة بقرار صادر عن الإمام نفسه).

ذات مرة، نقلت لسماحته استفسارات عائدة لمجموعة من الطلاب الجامعيين وطلبة العلوم الدينية، حول كيفية التحاقهم بالجبهة والتوفيق ما بين الدرس والجهاد، وتحديد أولوية أحدهما. فأجابني بقوله: (ليسألوا الشيخ رفسنجاني عن ذلك).

 

عدم إلحاق الضرر بالمسلمين

لقد أبدى الإمام الخميني دوماً، حساسية خاصة وجدية صارمة في تعامله مع الخطر الذي يسببه تسرب الثقافة المادية المنحطة إلى أفكار المسلمين، والتأثير السلبي الذي قد يتركه عليهم. ولهذا السبب، فقد وضع سماحته قضية الاستفادة من علوم الأجانب وفنونهم، ضمن إطار خاص وشروط محددة، تحفظ سلامة هذه العملية وتضمن استمرارها في الاتجاه البناء. على سبيل المثال، اتصلت بي ذات مرة، اللجنة المشرفة على مركز (التنمية الفكرية للأطفال والفتيان)، كي تأخذ إذناً شرعياً لشراء مجموعة من الكتب والمنشورات الهادفة والمفيدة للأطفال والفتيان، مع ملاحظة أن ناشرها أو مؤلفها أو مترجمها ليس بمسلم. وعندما عرضت المسألة على سماحته بادرني بالقول: (يجب الاستعانة حتى المقدور بالكتب التي هي من تأليف المسلمين. أما إذا صادف وجود كتاب هام ومفيد للغاية، من النوع الذي ذكر في السؤال، فلا بأس من شرائه، بشرط ألا يلحق ذلك ضرراً بالمسلمين).

 

الاجتماع بوزير خارجية الاتحاد السوفياتي

في صباح اليوم الذي حدد لزيارة وزير خارجية الاتحاد السوفياتي السابق، السيد أدوارد تشيفارنادزه، إلى منزل الإمام كي يقدم لسماحته رسالة السيد غورباتشوف الجوابية، ذهبت كالعادة في الساعة الثامنة صابحاً إلى المكتب، حيث عرفت أن الإمام ـ على غير عادته ـ لم يكن قد انتقل بعد إلى غرفة الاجتماعات. وشاهدت في هذه الأثناء، وزير الخارجية السوفياتي السابق ومعه كبار مسؤولي وزارة الخارجية في الجمهورية الإسلامية، ينتظرون وقوفاً في الغرفة المذكورة، قدوم سماحته. وقد لفت نظري أن طريقة الضيافة قد طرأ عليها تعديل طفيف لأول مرة. فمن جهة، صفت في الغرفة بعض الكراسي التي استعيرت بالطبع من مكان ما، كي يجلس عليها أفراد الهيئة الزائرة. ومن جهة أخرى، فقد قدّم الحاج عيسى الشاي للحاضرين، الذين بدأوا بشربه وهم وقوف. وكان السفير السوفياتي في طهران بالإضافة إلى مترجم روسي خاص، يقفان إلى جانب السيد تشيفارنادزه. أما بقية مرافقيه، فقد بقوا في فناء المنزل.

مرّت لحظات انتظار وترقب طويلة على الحاضرين في غرفة الإجتماعات، إلى أن أصبحت الساعة الثامنة وخمس دقائق، حيث أقبل سماحته بنفس الهيئة التي شاهدها الجميع على الشاشة، ودخل إلى الغرفة ومر من أمام الحاضرين، دون أدنى توقف أو تمهل أو تمعن في الوجوه، إلى أن استقر به المقام في المكان الذي اعتاد الجلوس فيه. وفي الوقت نفسه، جلس الوزير الضيف على الكرسي المخصص له.

وقد جرت العادة في الاجتماعات غير العادية، أن يجلس الأفراد المشاركون بصورة شبة مؤقتة وغير متعادلة في البداية. وبعد مرور عدة لحظات تحمل معها الاطمئنان والهدوء والاستقرار النفسي، يعدلون جلستهم، ويظهر على هيأتهم ومظهرهم، التوازن المطلوب. إلا أن السيد تشيفارنادره، وهو رئيس الدبلوماسية الروسية، ومندوب الجبار الشرقي الذي ظهر دوماً بمظهر صلب ومتماسك وواثق في المحافل الدولية الكبرى، وفي قصور الضيافة الرسمية لدى دول الغرب المقتدرة، حسب ما شاهدناه في الأفلام الخبرية المصورة، لم يكن في حالته المعهودة وهو يجلس حافي القدمين لأول مرة في حياته، على كرسي متواضع وفي غرفة عادية جداً، تغطي أرضها سجادة قديمة شاحبة اللون، ويعقد اجتماعاً رسمياً على هذا المستوى من الأهمية. فهو قد وجد نفسه لأول مرة يجلس في أبسط وأصغر مقر قيادي، وأمام قائد رباني مجلل، هزت شخصيته المعنوية أركان الاستكبار في العالم.

لست أدري إن كانت الارتعاشة الخفيفة التي هزت يديه أثناء تلاوته لجواب السيد غورباتشوف، ناتجة عن الشيخوخة أم عن شيء آخر! ومن الملفت أنه منذ اللحظة الأولى لبدء الاجتماع، جلس على كرسيه بوضعية غير مستقرة، تجلت بوضوح من خلال الطريقة غير المتعادلة التي وضع بها رجليه على الأرض. وقد استمر على هذه الوضعية حتى فراغه من تلاوة الرسالة التي كانت طويلة نسبياً، حيث بقيت الارتعاشة متحكمة بحركات رأسه ويديه، بينما ظلت باقي جوانب جسمه ساكنة إلى حد لا يوصف.

ومن الجدير بالذكر أيضاً أن المترجم الروسي الذي عرف عنه حسب المصادر المطلعة، تمكنه التام من الترجمة إلى اللغة الروسية ومنها، واقتداره في هذا الفن وطلاقة لسانه المشهودة، لم يستطع خلال هذا اللقاء، لفظ الكلمات الفارسية بدون اللكنة الأجنبية التي تؤثر على وقعها، بالرغم من الجهد الكبير الذي بذله لإخفاء اللحن في صوته.

على أي حال، انتهت رسالة السيد غورباتشوف مصحوبة بترجمتها، حيث بات الجميع بانتظار جواب سماحة الإمام، وردة فعله التي لم تكن لتخطر على بال أحد من الحضور. العيون والآذان كانت مشدودة نحو سماحته ومترقبة. أما مندوب الجبار الشرقي، فقد وجد نفسه مرة أخرى أمام ردة فعل غير عادية، لا يمكن تصورها أو التكهن بها. أجاب سماحته على الرسالة التي تليت عليه للتو، بجملات مختصرة وصريحة خلت من أي نوع من أنواع المجاملة، ولم تستغرق أكثر من دقيقة واحدة، أنهاها بقوله أنه يأسف لكون السيد غورباتشوف قد أغفل المسألة الأساسية التي رمى إليها الإمام من خلال رسالته المشهورة. ولم يكد المترجم ينهي نقل الجواب إلى اللغة الروسية، حتى نهض سماحته من مكانه وتوجه إلى غرفته الخاصة. ومع أن محبي الإمام قد اعتادوا دوماً عند الحضور في مجلسه على الانجذاب نحوه وتقبيل يديه الكريمتين، إلا أن الهيبة والسرعة اللتان طبعتا حركته سواءً عند الدخول أو الخروج، أوجدتا حالة استثنائية لا مثيل لها، أجبرت الجميع على البقاء في أماكنهم، وعدم التشرف بمصافحته وتقبيل يديه.

 

مثال الترتيب والطهارة والنظافة

لقد فرض الإمام الخميني على نفسه طوال فترات حياته، نظاماً صارماً تحكم بجميع شؤونه وأعماله الخاصة ومسؤولياته العامة، على نحو أعطى معه كل أمر، الوقت الذي يحتاجه والاهتمام الذي يستحقه، دون أن يشغله ذلك عن التصادي لبقية الأمور. لذا فكان يؤدي كل أعماله وواجباته مثل العبادات، تلاوة القرآن الكريم، قراءة الأدعية، المطالعة، الاستماع إلى الأخبار، رياضة المشي، حركات الليونة الجسدية (الحركات الرياضية التي أشار بها الأطباء على سماحته من أجل حفظ صحته وسلامته)، الإجابة على المسائل الشرعية والاهتمام بالاجازات والاستجازات وقبض الوجوه الشرعية، الإجتماعات، الإنصراف إلى أفراد العائلة في جلسات حميمة، تناول الطعام، الخلود للراحة، وغيرها من الأمور في الأوقات والمواعيد المخصصة لها بالضبط.

وقد تجلى هذا النظام الدقيق من خلال برنامج أعماله الأسبوعية أيضاً. فعلى سبيل المثال، كان يتوجه صباح كل يوم جمعة، بعد الاستماع إلى موجز أخبار الساعة الثامنة، إلى الحمام للاغتسال. وبالرغم من أني كنت أحمل لسماحته عدداً من الأوراق والتقارير التي تحتاج لإمضائه، في أيام الجمعة أيضاً، إلا أن الجواب كان يأتي دوماً بأنه لا يستطيع الاستماع والتحدث إلى أحد في مثل هذه الساعة، لأنه ما أن ينتهي موجز الأخبار في الساعة الثامنة وبضعة دقائق، حتى يتوجه مباشرة إلى الحمام. وكان الاستحمام يستغرق منه عادة ساعة كاملة، حيث كان ينتهي في الساعة التاسعة وبضعة دقائق. وتجدر الإشارة إلى أن الحمام المذكور، كان عادياً جداً بمساحته الصغيرة وتجهيزاته المتواضعة، حتى أنه لم يحو على مغطس، وهو الشي الذي لابد من وجوده في أي حمام كان. ولم يتخلف سماحته عن هذا البرنامج إلاّ في حالات المرض، حيث كان يشير عليه الأطباء بعدم الاستحمام لأن ذلك يضر بصحته. وفي إحدى المرات، مضت عليه فترة من دون استحمام، فسأل الطبيب المختص سؤال من فرغ صبره عن الموعد الذي يسمح له في بالاغتسال. ولكنه واظب على تبديل ملابسه بانتظام، حتى في هذه الحالات الاستثنائية.

وبالرغم من البساطة التي طبعت حياته وميزت لباسه، فقد كان سماحته مثالاً للطهارة والنظافة والأناقة. فألبسته كانت دوماً نظيفة براقة، وحتى جواربه لم يلاحظ عليها أدنى أثر للبقع. وذلك لأنه حرص دائماً على السير داخل البيت منتعلاً حذاءً خفيفاً، مع أن السجادات المفروشة كانت نظيفة تماماً.

وبشكل عام، فإن المحيط الذي كان يعيش فيه الإمام الخميني، من غرفة عمله إلى مكان عبادته إلى غرفة نومه واستراحته، اتسم بالنظافة والطهارة التامتين، حيث كانت الروائح الزكية التي تبثها العطور، تملأ الفضاء بأريجها الأخاذ، وتضفي جواً من الارتياح النفسي.

وبرغم التزام سماحته بنهج البساطة والقناعة والزهد في حياته وفي مجال الإمكانيات المتاحة له، إلا أنه حرص على استعمال أفضل العطور وأجودها، عملاً بالآداب والسنن الإسلامية التي تحث على النظافة الظاهرية، وتعتبرها مقدمة مناسبة لبلوغ الطهارة المعنوية والتهذيب النفسي. فالإنسان الذي يعيش في صميمه حالة الإيمان والتقوى، جدير بأن يتحلى بعبق العطور.

لذا فإن العطور المحلية والخارجية كانت تتدفق على سماحته، مهداة من قبل الأصدقاء والمحبين، حيث كان يختار الأنسب والأجمل من بينها. حتى أن بعض العاملين في مكتبه، صار يحرص على استعمال العطر الذي يرتاح إليه الإمام، حين يريد التشرف بلقائه وعرض الملفات عليه.

 

 



تعداد بازدید:  2309




Skip Navigation Links
دستور الجمهورية الاسلامية الايرانيةدستور الجمهورية الاسلامية الايرانية
ذكرياتذكرياتExpand ذكريات
المقالاتالمقالات
سيرة الإمام الخميني (ره)سيرة الإمام الخميني (ره)Expand سيرة الإمام الخميني (ره)
كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)Expand كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)
احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)Expand احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)
الوصية الإلهية السياسيةالوصية الإلهية السياسيةExpand الوصية الإلهية السياسية
اشعار حول الامام اشعار حول الامام Expand اشعار حول الامام