أنوار العروج                 


أنوار العروج

حجة الإسلام حسن رحيميان

تمهيد

بالرغم من أن عظمة شخصية الإمام الخميني، وعمقها وغناها، هي من السمو بمكان لا يتيسر معه حتى لأقرب الناس إليه أو أنجب تلامذته إدراكها وفهم أبعادها، إلا أنه من المفيد أن يعمد أي شخص أتيحت له فرصة التعاطي معه، إلى التحدث عما رآه وأحس به في ذلك الإنسان العظيم، حسب مستوى فهمه واطلاعه، وحسب السعة الروحية التي يتمتع بها، حتى ترتوي الأجيال القادمة المتعطشة للمعرفة من بحر الفضيلة والنور الذي يزخر به الإمام. ولأنه كان يتمتع، رضوان الله عليه، بشخصية متكاملة الجوانب، فقد كانت حركاته وسكناته، كلماته وتصرفاته، العادية واليومية، عبارة عن دروس حية عن الحكمة الإلهية الخالدة والروح الملكوتية المتعالية. لذا فإن الأمانة العلمية والتاريخية تقتضي بأن يضع أي شخص ما سمع أو عرف من جوانب شخصية عن الإمام، تحت تصرف العامة، من أجل الفائدة وشمولها. وكاتب هذه السطور، الذي قضى أكثر من ثلثي عمره في ظل الإمام، وعشق التجربة التي خاضها، بحلاوتها ومرارتها، على مدى 27 عاماً، وضع نبذة عن مشاهداته في ملف خاص أفرده لهذه الغاية. ويهمني التأكيد على أن المعلومات الواردة في هذا الملف، هي حصيلة المشاهدة المباشرة للكاتب عن الإمام.

القسم الأوّل

كأنه لم يكن بيننا

 العمر: حساب التاريخ أم حساب الواقع

لقد قيل الكثير حتى الآن عن القناعة التي كان يتمتع بها الإمام الخميني في حياته، حيث كان يقتصد إلى أقصى الحدود في الاستفادة من الإمكانيات المتاحة له. حتى أن المرء كان يلاحظ وجود هذه الخصلة لديه عند أبسط ارتباط به أو معاشرة له. لم يكن الإمام بعيداً عن الإسراف والتبذير فحسب، بل يمكن اعتبار مراحل حياته مصداقاً جلياً لقول (المؤمن قليل المؤنة، كثير المعونة).

لقد حرص دوماً، رضوان الله عليه، على أقل حد ممكن من الاستزادة من متاع الدنيا ورفاهيتها، في الوقت الذي بلغ درجات عُلى في إسداء الخير للآخرين والتدرج في الآفاق المعنوية.

أود أن أتحدث في هذا المقام عن نظام التوفير الذي كان يعمل به في مجال الاستفادة من الوقت، بعد أن روي الكثير الكثير عن اقتصاده في استعمال الماء والكهرباء وسائر وسائل الحياة الضرورية.

إن عمر الإنسان الحقيقي ينبغي أن يقدر ويحسب ضمن إطار الاستغلال الصحيح والحركة الفعالة باتجاه الأهداف المثمرة وادراك فلسفة الخلق وحكمة الحياة. حسب هذا المقياس، من الممكن أن يعيش أحد الأشخاص مئة عام كما تفيد شهادة ميلاده. إلا أن عمره المفيد، إذا صح التعبير، يمكن أن يصل إلى حد الصفر أو ما دون الصفر، حيث أن هذه السحابة تكون قد مرت وهو يتحرك من خلالها كجثة متنقلة ليس لها هدف ولا اتجاه. أو أن شخصاً آخر يبلغ المدى الواقعي من عمره الذي يصل إلى مئة سنة، خمس سنوات، أو عشر سنوات، أو عشرين سنة على سبيل المثال. وبالنتيجة، عندما يقضي لحظات عمره كلها من دون أن يقرب المحرمات أو يدنو من البطالة والتفاهة، ينطبق عمره الأصلي الذي يحسب عليه مع عمره الواقعي الذي يحسب له. بالنسبة للإمام، فقد كانت حياته من جانب محتواها وكيفيتها وغناها،ـ مصداقاً للآية التي تقول {إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}. حتى أن نومه، استراحته، أوقات فراغه ورياضته، وتناوله الطعام، كانت تصب كلها في الاتجاه المؤدي إلى الله تعالى، وفي تكامل الصعود المعنوي. أما من الجانب الظاهري والكمي، فليس هناك من يستطيع الادعاء بأنه رأى الإمام بلا عمل أو انشغال في يوم من الأيام، إلى درجة يمكنني القول معها أنه في الأيام الأخيرة من عمره الشريف، وبالرغم من الضعف والمرض والكهولة التي أرخت ظلالها عليه، بقي الشخص الأكثر عملاً وفعالية وانهماكاً بين كل الذين عرفتهم.

  الأكثر انشغالاً بين الجميع

من المعلوم أن الإنسان يحتاج إلى قدر مناسب من السلامة الجسدية والسكنية الروحية حتى يستطيع تحرير رسالة ما أو تدوين فكرة ما، حيث أن وجود عارض مرضي أو ضعف جسدي أو مشاكل نفسية، كفيل بأن يعيق عمله ويشل طاقته على التفكير والكتابة. إلا أن كل من عرف الإمام في السنة التي تلت موافقته على قرار مجلس الأمن الدولي بشأن وقف حرب الخليج الفارسي التي كانت بمثابة السم الزعاف بالنسبة له، بالإضافة إلى الآلام والمشاكل الأخرى التي طرأت عليه وأسالت دموعه، يشهد بأنه قد حرر عشرات الرسائل والبيانات الجامعة التي تناولت مختلف المسائل المطروحة؛ قال كل ما يجب أن يقال، وتحدث عن مختلف المواضيع، وأكد على المسائل الهامة بصورة مضاعفة، وأزاح الستار عن المباحث المبهمة، وألقى الحجة على الجميع وبيّن لهم نور هدايتها، ولم يدع أي شاردة أو واردة تفوته لأنه اعتبر ذلك من صلب التكليف الشرعي المفروض عليه. فقد عرف بأنه بات يعيش الأيام الأخيرة التي تجمعه بالأمة التي كرس حياته لها. وإذا غضينا النظر عن المحتوى الباهر الذي تزخر به البيانات المشار إليها، فإن حجمها وكميتها وعددها فاق كل التوقعات وتخطى كل الحدود. والجدير بالذكر هنا أن هذا النشاط هو إحدى الزوايا المحدودة التي اشتملت عليها دائرة اهتماماته ومسؤولياته.

أعمال متعددة في وقت واحد

لقد اعتاد الإمام الخميني على تأدية أعمال متعددة في آن واحد. ويهمني أن أورد في هذا المقام مشاهدات مباشرة أتاحها لي اتصالي الدائم بالإمام من خلال الأجواء المنزلية الحميمة التي عاشها.

في إحدى الأيام، استدعاني الإمام عند الساعة السابعة مساء لأمر ما. وعندما دخلت عليه، وجدته منشغلاً بأداء التعقيبات الخاصة بصلاتي المغرب والعشاء، حيث كان يؤدي الأعمال التالية:

1 ـ المسبحة في يده وهو في حالة الذكر والترديد.

2 ـ الاستلقاء على الظهر ورفع الرجلين اليسرى واليمنى وخفضهما بصورة تبادلية، ضمن برنامج رياضي خاص أشار به الأطباء.

3 ـ النظر إلى تصوير التلفزيون الذي عمد إلى اخفاء صوته.

4 ـ الاستماع إلى نشرة الأخبار التي تبثها الإذاعة، من خلال جهاز راديو صغير.

5 ـ مداعبة حفيده العزيز على قلبه، علي، الذي كان يحاول تقليد حركات جده حيث استلقى بالقرب منه.

نلاحظ من خلال ذلك أن انشغاله بالأعمال المذكورة، لم يمنعه من احاطة حفيده بالعاطفة الغامرة التي يأنس بها. وأنه يؤدي خمسة أعمال مختلفة في زمان واحد وبصورة تلقائية.

من الشواهد الأخرى التي كانت تتكرر دوماً أمام ناظري، هي رياضة المشي التي واظب عليها الإمام دوماً. كنت أراه في فترة بعد الظهر يتمشى في فناء منزله. وبالإضافة إلى هذا العمل الذي يعتبر نشاطاً هاماً في حد ذاته لأنه يحفظ سلامته ويعينه على خدمة دين الله الحنيف على أكمل وجه (قوِّ على خدمتك جوارحي)، كان يحمل المسبحة في إحدى يديه وينشغل بذكر الله تعالى، وفي اليد الأخرى جهاز راديو صغير يستمع من خلاله إلى الأخبار السياسية؛ الداخلية والدولية.

لهذا يمكننا القول أن حياة الإمام الخميني وعمره الواقعي يقفان عند حدود السنين السبعة والثمانين التي عاشها لجهة الاستفادة القصوى منهما، من الناحية الكمية التي أشرنا إليها. بل إن عمره الشريف يلامس مشارف الخلود من ناحية الكيفية والمحتوى والإنجاز، لارتباطه الوثيق بمبدأ الوجود الباقي بعد فناء كل شيء، والمستمر مع استمرار الحق والحقيقة.

كأنه لم يكن بيننا

اعتدنا طوال فترة عملنا بين يدي الإمام على التوجه إلى مكتب الشؤون الشرعية عند الساعة الثامنة صباحاً حيث كنا نشغل من وقته الثمين فترة تتراوح بين العشرين إلى خمسين دقيقة يقضيها في الإجابة على الأسئلة والاستفتاءات المطروحة. وبعدها كنا ننشغل بترتيب الملفات، بينما ينصرف هو إلى المطالعة والبحث، مع إشرافه على العمل الذي نقوم به. عندما قرر الأطباء ضرورة خضوع الإمام لعملية جراحية، وحدد الموعد في إحدى أيام الثلاثاء، تغيرت عادته قليلاً حيث بدأ في وضعية خاصة، يومي الأحد والاثنين اللذين سبقا يوم العملية، فلم يجب خلالهما سوى على سؤالين من الأسئلة المطروحة عليه بكلمات مختصرة ومحدودة. ثم لم يعمد بعد ذلك إلى المطالعة المعتادة بل ركن إلى جلسة هادئة ساكنة. وبدت علامات السكينة على وجهه المشرق وهو ينظر إلى الأفق البعيد. وبالرغم من أنه اختار المجلس المعتاد، فقد بدا وكأنه لم يكن بيننا.

لقد كان وضع الإمام الصحي عادياً ومستقراً إلى درجة أنه كان يستطيع الذهاب إلى أماكن اللقاءات والأعمال المعهودة تماماً كما جرت العادة في أوقات الصحة والسلامة. إذن فهو لم يكن يعاني ظاهرياً من المتاعب الجسدية، كما لم يكن مطلعاً بشكل دقيق على نوعية المرض الذي يعاني منه. وعلى حد علمي، فإنه لم يبلغ بحقيقة حالته حتى النهاية. وبالنسبة لوضعية تناوله للطعام والشراب، هي أيضاً كانت طبيعية. إذ إنه استمر في تناول المرطبات حتى الأسبوع الأخير الذي سبق إجراء العملية، حين طلب منه طبيبه الخاص بالتوقف عن ذلك. في يوم الإثنين، أتى الطبيب المشرف وأخبر الإمام بعزمه على إجراء نفس العمل الذي أجري يوم أمس، أي أخذ صورة (اندوسكوبي) لمعدته.

اقترح الإمام، الذي كان يعتقد بأن النزيف الذي أصاب معدته ناتج عن تناوله المفرط للحبوب والأقراص المعالجة، بأن يتوقف عن استعمالها لمدة عشرة أيام علّها تفيد في وقف النزيف. وذلك بعد أن عبر عن ضيقه الشديد بالإجراءات التي يستلزمها أخذ الصورة الطبية المشار إليها. عندها أفاد الطبيب بأن أخذ الصورة هو أمر لابد منه. وبعد أن استأذن الإمام، وعده بأن يبذل قصارى جهده في سبيل التخفيف من حدة الألم والإزعاج.

بعد أن نأخذ هذه الخصوصيات بعين الاعتبار، وبالنظر إلى أن الإمام قد مر بمراحل مستعصية من الأمراض المختلفة من قبل، لا أجد دليلاً يقنعني بأنه كان كئيباً بسبب حالته المرضية. وحتى لو افترضنا بأنه كان أجله، فلم تكن شخصيته من النوع الذي يهتز لهذه المشاعر. لذا نطرح تساؤلاً عن السبب الذي دفعه إلى الاندماج في تلك الحالة من السكوت، والتأمل العميق المعبر؟ والصورة الظاهرية كانت تفيد بأن الإمام لم يكن مطلعاً على شيء من حقيقة حالته، بينما نحن كنا ملمّين ببعض الشيء عنها. لكن تُرى ألم تكن بصيرة الإمام النافذة مطلعة على أمور دقيقة لم تكن لتخطر حتى على بالنا ومخيلتنا؟

بين غرفة العمل والمستشفى

في صبيحة يوم الثلاثاء، أي اليوم المقرر لإجراء العملية الجراحية، توجهت إلى بيت الإمام كالمعتاد حاملاً معي الأوراق والمستندات التي كنت أعرضها عليه كل يوم لأخذ الرأي المناسب بشأنها. وبالرغم من أني كنت مطلعاً على برنامج العملية، إلا أني تصرفت بوحي من العاطفة التي ترفض تصديق ذلك الحدث. فذهبت في الموعد المحدد، لكني فوجئت بالباب المغلق. اضطربت أعصابي، وارتعش قلبي، وهرعت فزعاً إلى المستشفى. وما كدت أدخل إلى البهو حتى وقعت عيناي على جهاز التلفاز الموجود على الطاولة. رأيت الإمام في حالة الغيبوبة في غرفة العمليات. وبدأ الأطباء وهم يحومون حوله، كالفراشات وهي تحوم حول الشمعة المشتعلة، ويستعدون لمباشرة العملية. اللحظات الكئيبة هذه كانت تضغط على صدري كأنها حمل لا يطاق. نظرت حولي فوجدت الدموع تنسكب من عيون الحاضرين. الشفاه تترنم بذكر الدعاء والابتهال، والنفوس تخشع لذلك الله وتلتمس الفرج. بعد ذلك، توالى حضور قادة القوى الثلاثة؛ التشريعية والتنفيذية والقضائية، سماحة الشيخ رفسنجاني، سماحة السيد خامنئي، وسماحة السيد أردبيلي، إلى القاعة المذكورة. كان هناك أيضاً بعض أعضاء مكتب الإمام، ونجله السيد أحمد، وإحدى أخواته الكريمات. تسمرت العيون على جهات التلفاز لتشاهد الإمام، لكن الدموع الغزيرة كانت تحجب الرؤية عنها، بينما كان أفراد عائلته أكثر الحاضرين رباطة في الجأش والهدوء والسكينة، ولا غرابة في ذلك كونهم ورثوا صلابة العزيمة عن والدهم الجليل.

لم أكن أقوى على النظر، وفي نفس الوقت لم أكن أقوى على غض النظر عن الحبوب. ترى هذا المشرط أيشق صدر الإمام أم يمزق أكبادنا الملتهبة؟ مضت ثلاث ساعات حتى وصلت العملية الجراحية إلى ختامها، لكن وطأتها عليّ وعلى الآخرين كانت بمثابة ثلاثين سنة. ثلاثين سنة، هي العمر الذي قضيته في خدمة الإمام، تختصر العشق واللهفة والذكريات المتنوعة، حلاوة اللقاء، ووحشة الفراق.

وأخيراً غمرت الفرحة المكان المكتظ بالحضور، ونجحت العملية بدون حدوث أي عارض قلبي. حانت لحظة الحبور والأمل، والسعادة التي تعادل فرحة ملازمة ثلاثين سنة. وعند انتقاله من غرفة العمليات، ومروره من أمامي، انسكبت دموع الشوق والعشق من عيناي وأزالت الغشاوة عنهما، فاكتحلت مرة أخرى برؤية وجهه الذي يشرق نوراً، وهدأ روعي وسكنت خواطري.

كنت أود أن أتقدم بالشكر الجزيل من الطبيب المعالج والفريق المعاون له، لكن الألفاظ هربت مني ولساني لم يطاوعني من شدة التأثر، وأذكر أني تمكنت فقط من تقبيل يد الطبيب.

لم تمض فترة طويلة حتى بدأت هذه السعادة الغامرة والآمال الحلوة تصطدم بالتوقعات المخيبة للآمال والتقارير الطبية التي كانت تبعث تارة على الخوف، وطوراً على الإطمئنان. الساعات الطويلة كانت تمر ببطء شديد، وعقارب الساعة كانت تتحرك بتثاقل ووجوم.

هناك خواطر كثيرة في ذهني عن أيام المستشفى، وهناك أناس كثيرون نالوا شرف الحضور إلى جانب الإمام في تلك الفترة. وكل واحد منهم كان يعرب عن لهفته على المحبوب بطريقة مختلفة: العبادات، الصلوات، الأدعية، الابتهالات، البكاء في آخر الليل والتوسل إلى الله، والاهتمام الذي يفوق كل حد بكل الأسلحة المعنوية التي اعتمدها الإمام في حياته. وقد أراد الله عز وجل ألا يحرم هذه العيون الولهانة من رؤية الأبعاد المعنوية الخفية التي تنطوي عليها شخصية عبده الصالح، حيث بيّن من خلال هذه المناسبة الاستثنائية والمحزنة في آن، التجليات العظيمة للعبودية الصالحة له، حتى تصبح هذه التجليات دروساً مثبتة في وعي التاريخ وتهدي كل السائرين إلى درب الله. لكن وآسفاه، فليس هناك من بعد أو بصيرة أو مجهر أو أي جهاز استكشاف يقوى على سبر أغوار مقام العبودية الخالصة التي جسدها الإمام، وخلوص النية التي طبع عليها. ثمانون سنة من العبادة الخالصة، ثمانون سنة من المناجات الليلية، ثمانون سنة من الرياضة الروحية والجهاد الأكبر والأصغر، ثمانون سنة من السير والعروج إلى الله … أين نحن من هذا المستوى الإيماني الرفيع.

ومع كل هذا الوصف المسهب، أقول أن المشيئة الالهية قد اقتضت أن تكشف للعيان، بصورة قاطعة، ولو لبعضة أيام وليال، أن قانون {ومن نعمره ننكسه في الخلق} الذي ينطبق على الجميع، من الممكن أن يستثني بعض الأفراد المتميزين الذين يوفر لهم {الخلق} القويم الذي يتمتعون به والذوبان الذي يعيشونه في ذات الحق من الناحية الباطنية، يوفر لهم مناعة تستعصي على الأمراض الجسدية، كما تستعصي على الموت والفناء. وإذا الإنسان هو مصداق {ومنهم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعمل بعد علم شيئاً} بشكل عام، فإن الروح الإلهية التي نفخها الخالق عزّ وجلّ في خليفته على الأرض، من شأنها أن تحفظه من الانحطاط في {أرذل العمر}، ومن فقدان العلم والوعي اللذين يتمتع بهما، فيقضي عمره حتى اللحظات الأخيرة وهو في قمة تجلي الشخصية الإنسانية والوسعة الروحية، وفي أوج التفاعل مع المشاعر السامية، ومع كافة المواهب والمعارف الإلهية التي اكتسبها، وفي ذروة توجهه إلى مبدأ الوجود والمعاد والمعارف الحقة. لذا، فهو ينطلق من معرفته المتكاملة وقدرته الواعية، ليحرق جدار الموت والزوال، ويحلق في الفضاء الرحب اللامتناهي وفي أجواء العالم الأبدي والملكوت الأعلى، ليلاقي وجه ربه، مبدأ الكمال والوجود.

كلما كان الإمام يقترب أكثر من لحظات الفراق والوحشة، كلما كان اقترابه من الله يأخذ طابعاً أوضح، وآثار وبينات حكمته ومعرفته الإلهية تسطع أكثر، وصفاء وجهه النيّر يشرق أكثر. وفي الوقت الذي كانت حالته الصحية تتدهور يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة، وكان جسده المنهك يضعف بصورة أوضح، الأمر الذي يستوجب حسب الحالة المعتادة المزيد من التأوه والتألم والجزع، برزت شخصية الإمام المصقولة وحقيقة إنسانيته المتكاملة التي غلّبت روحه السامية على الجسد وعالم الطبيعة، حيث بات الجسم مجرد وعاء يسع تلك الروح. برزت وقدمت نموذجاً مختلفاً من التجلي والعظمة. وبدل أن تسمع منه أصوات الآلام المحرقة من الوجه والتلوي، لم يصدر من فمه سوى ذكر الله عزّ وجلّ وبعض الأدعية التي يبث فيها شوقه إلى بارئه. فهو لم يتعود على إظهار المسكنة إلا أمام الله. وبدل أن تظهر إمارات الغضب والضيق على وجهه من أثر الحالة التي هو فيها، كان يشع من قسماته الملألئة، نور الإيمان والهدوء والاطمئنان.

لقد كان الإمام من النماذج المؤمنة الصادقة التي تنشغل بمحاسبة ذاتها في هذه الفانية قبل أن تقف يوم الحساب حائرة بين يدي العدل المطلق، لا تدري ما يفعل بها. إن روحه المطمئنة وإن كانت مرتبطة بصورتها الترابية التي فطرت عليها، في الظاهر، لكنها في الواقع كانت قد تحررت من أسر الجسد وانقطعت تماماً عن كل الصور المادية الجذابة. لذا تراه قد اتصل بالله عزّ وجلّ، وشد رحاله للسفر الطويل الطويل بقلب هادىء وروح مطمئنة وضمير مستأنس ونفس هانئة.

وخلاصة القول أنه لم يتسنَ لأحد على الإطلاق أن يسمع منه صرخة وجع أو تأوّه ألم، كما لم يلاحظ أي عبوس في الوجه أو ضيق في الصدر، بل عاش كل من كان حوله حالة من الوجد العميق فرضها عليه جو الدعاء والمناجات والخشوع التي فاحت في الفضاء، وحالة من التأمل العميق والتفاعل الشديد مع هذه المعجزة الإنسانية التي تجسد المقام المعنوي الرفيع والإيمان الجارف والعشق الإلهي المقدس.

إن هذا العبد الفقير، الذي كان مكلفاً حسب تعليمات الإمام نفسه بأن يعمل ضمن هيئة مكتبه، سعى خلال الفترة العصيبة التي ذكرت ألاّ يكلف الإمام حتى عناء رد السلام. إلا أنه لم يستطع أن يحرم نفسه طوال الوقت من لقيا محياه الكريم، وألا يمتع روحه بوصاله العطر. لذا فقد عمد إل مراجعته يومياً كالمعتاد حسب المواعيد المقررة لإنجاز الأعمال المكتبية. وبعد الاستئذان كان يعرض عليه الملفات الموجودة ويدون الأجوبة والملاحظات التي تتلى عليه، وبعدها ينصرف مصحوباً بعبارات الدعاء والتسديد.

وفي إحدى أيام الجمعة، ذهبت إلى منزل الإمام وبذلت قصارى جهدي ـ كما شرحت سابقاً ـ في ألا يسبب دخولي إلى المكتب أدنى ازعاج لخاطره الكريم. فمشيت بخطى هادئة، إلا أن أحد الأصدقاء الذي كان جالساً عند سرير الإمام ومشغولاً بأداء عمله، لاحظ قدومي فقال: لقد أتى السيد رحيميان. عندها اضطررت لأن أتقدم نحو الإمام الذي فتح عينيه المباركتين ونظر إليّ. ألقيت عليه التحية فأجابني بوداعة وصوت مرتجف. دعوت له بطول العمر والسلامة، فقال بلهجة أبوية حارة: وفقك الله وسدد خطاك. ثم توقف عن الكلام واسترخى على سريره وأغمض عينيه وأخلد إلى النوم.

في يوم السبت، كثرت المراجعات إلى المكتب وتعدد الزوار. وفي نفس الوقت، كان الأوراق والملفات قد أعدت كالعادة لكي يلقي الإمام نظرة عليها في ذلك اليوم.. تلك الملفات التي بقيت دون انجاز حتى النهاية. بعد ظهر اليوم نفسه، اتصل أحد موظفي المكتب هاتفياً بمنزلي وطلب مني أن آتي سريعاً إلى منزل الإمام. بعد فترة وصل إلى المنزل رؤساء القوى الثلاثة بعد أن علقت جلسة هامة لمسؤولي الدولة. خيم الوجوم على وجوه الحاضرين واحتاروا حيال حقيقة ما يحدث. ثم طلب مني كوادر المكتب أن أتحرك بسرعة واستفسر عن حقيقة الأمر كي يعرفوا بالتالي ما يجري حولهم.

عند الساعة الرابعة من بعد الظهر، وصلت إلى المستشفى فوجدت الجو ملبداً بالكآبة والقلق، والوجوه حائرة حزينة، وشاهدت الجميع جالسين في البهو. العيون كانت دامعة وألوان الوجوه شاحبة مصفرة، والصمت المطبق كان مخيماً على المكان. تساءلت ترى ما الذي حدث؟ تجمد الدم في عروقي وتراخت ركبتاي وبدأت دقات قلبي بالتسارع. ثم فقدت توازني قليلاً فجلست على الأرض لدقائق معدودة. تمالكت نفسي بعد حين ونهضت عن الأرض وتوجهت صوب الغرفة. وعندما دخلت، وجدتني أمام إحدى أصعب المواقف في حياتي، الإمام في حالة الغيبوبة. الأجهزة الطبية المتنوعة كانت تحيط به من كل جهة؛ جهاز التنفس الاصطناعي، جهاز تنظيم دقات القلب، وغيرها. الشعور الحاد بالقلق والحيرة لم يفارق الموجودين لحظة واحدة.

وعند المغرب، تلا الفريق الطبي المعالج تقريراً حول وضع الإمام الصحي. وسأل أحد الحاضرين مسؤول الفريق عن الاحتمالات التي يضعها للأيام القليلة المقبلة. فأجاب بأن المسألة لن تستمر حتى الأيام المقبلة، بل تنحصر ضمن ساعات قليلة. كان وقع هذه الجملة على الحاضرين كالصاعقة، لكن مراعاة بعض المسائل فرض عليهم المحافظة على الهدوء. في تلك اللحظات الكئيبة، تضافرت جميع عوامل الحزن؛ من السكوت الممل، إلى سواد الليل المعتم، إلى التوقعات السيئة التي راودت الأذهان. أحسست بأن الجميع يكابدون أنفسهم ويعانون مشاعرهم ويحاولون الخروج من بحر الغم المتلاطم هذا.

كل ما كنا نتمناه حينها، هو أن تصدر عن الإمام حركة بسيطة أو إيماءة عابرة أو رمشة عين واحدة.

اللحظات الرهيبة كانت تمر أبطأ من أي وقت مضى، حتى دقات الساعة المروعة حاملة معها الحدث المرير. لم تكن الساعة قد استقرت على العاشرة والنصف ليلاً عندما وصل ضغط دم الإمام إلى الصفر حيث توقف قلب العالم الإسلامي النابض عن الخفقان. لا أظن أن القلم واليراع واللسان، تستطيع كلها أن تعبر عن هول المأساة التي حلت. مرت دقائق وصراخ التفجع يعلو في أرجاء المكان، والدموع الغزيرة تتفجر من المقل، إلا أن أحد المسؤولين الكبار خاطب الجميع وأخبرهم بأن الإعداد السليم من أجل إعلان هذا الحدث، يتطلب منا الإحساس بروح المسؤولية وضبط الأعصاب والتحكم بالمشاعر.

في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، نقلت الجنازة المطهرة إلى باحة المنزل، أي المكان الذي اعتاد الإمام أن يلتقي فيه جماهير الناس التي أحبته وعشقته، وذلك لإجراء عملية الغسل والتكفين. وعند أذان الفجر تقريباً، كان العمل قد أنجز، فنقل الجثمان الطاهر إلى براد كان قد أعد خصيصاً لهذه الغاية، يقع بالقرب من المنزل والمستشفى في آن.

وفي الليلة التالية التي تقرر أن يصلى على الجثمان في اليوم الذي يليها، ذهبت لكي أتشرف للمرة الأخيرة بزيارة الإمام ورؤية وجهه المقدس وتوديعه، فوجدته كما لو كان حياً يرزق، بل أشد حضوراً من أي وقت مضى. أمسكت برجليه اللتين لم تمشيا سوى في طريق الحق، ولثمتهما ووضعتهما على عيناي، ثم شممت أريج وجهه وقبلته للمرة الأخيرة. طلبت منه أن يسامحني على أي تقصير بدر مني وسألته الدعاء واستأذنت بالانصراف.

هذه اللحظات الفريدة تشكل أكبر وأعظم، وفي نفس الوقت، أفجع وآلم خاطرة في حياتي. خاطرة لا أستطيع أن أعلق عليها أو أحاول وصفها بأي حال من الأحوال.

القسم الثاني

رعاية حقوق الناس

لقد اعتاد الإمام الخميني طوال المدّة التي قضاها في النجف الأشرف على التشرّف بزيارة مقام الإمام الحسين عليه السلام خلال بعض المناسبات الدينية الهامة التي تمر في السنة، حيث كان يقيم في منزل متواضع وضعه أحد الكويتيين في تصرفه.

في تلك الزيارات، كانت تقام صلاة الجماعة بإمامة الإمام الخميني في مركزين؛ صلاتي الظهر والعصر في نفس المنزل المشار إليه، وصلاتي المغرب والعشاء في حسينية آية الله البروجردي. الجماعة الأولى كانت تتم غالباً بمشاركة جمع محدود من الأصدقاء والمريدين، في غرفة الاستقبال الفسيحة، وأحياناً في باحة المنزل الخارجية عندما يكثر عدد المصلين. مساحة الباحة كانت تبلغ [7r7]  متراً مربعاً، لكنها لم تكن مفروشة بالسجاد على امتدادها. لذا فقد عمد بعض المصلين إلى خلع عباءاتهم ومدها على الأرض، واستعمالها كسجادة صلاة.

عندما كان الإمام يخرج من باب غرفة الاستقبال إلى الباحة لتأدية الصلاة، كان مضطراً بسبب موقع الغرفة إلى العبور من وراء المصلين للوصول إلى مقدم الصفوف. لذا فقد انتبه الحاضرون لهذه النقطة، فحرصوا على فرش عباءاتهم بطريقة تداس معها بأقدام الإمام وهو يعبر الصفوف، وذلك لنيل البركة. إلا أن الإمام التفت أيضاً لهذا الوضع، فحرص لذلك على السير بأسلوب معيّن وبخطوات منظمة بحيث لا يدوس على ثياب أحد من الناس أو عباءته، وقدم بذلك درساً عملياً لكل المقلدين والمؤمنين في رعاية حق الناس وعدم الاستهتار بأشياء الغير.

لا ينبغي طرد هؤلاء الأشخاص

أحد النواب المعروفين والمقربين من الإمام الخميني، قام بعد إحدى زياراته إلى الإمام بكتابة رسالة مختصرة لجنابه حيث سلمني إياها وقال: لقد شرحت مضمون هذه الرسالة شفهياً لسماحته، فأشار عليّ بتدوين كتاب وتقديمه عبرك. أما الموضوع الذي تشير إليه الرسالة، فهو أن أحد الوعاظ المدركين المتدينين، قد حُكم عليه بخلع زي العلم بسبب دعائه بالخير مرتين للشاه المخلوع في الزمن الغابر. إلا أن تأييده للثورة وترويجه لها، وعاطفته تجاه الإمام وحبه له، قد استوجبا إعادة النظر بهذا الحكم الصادر، ودرسه مرة أخرى. في اليوم التالي، اطلع الإمام على الرسالة، فأشار عليّ: (أبلغ السيد أردبيلي عن لساني: إذا كان الواعظ المذكور من الأشخاص الذين تعرضوا للضغوط الشديدة التي فُرضت في ذلك العهد مما حمله على ارتكاب هذه الهفوة. وإذا لم يكن من الكوادر التي عملت ضمن أجهزة الشاه، وخَدمَتها. وفي حال ثبتت طيبة سريرته، لا ينبغي معاملته بهذه الطريقة، كما لا يجوز أن نحاسبه على غلطة تندّم عليها لاحقاً. لذا لا أرى مصلحة في طرده).

وقد نقلت توصية الإمام هذه إلى آية الله أردبيلي الذي عمل بها.

الدعاء لجند الإسلام

حملت ذات يوم كمية من الأقمشة الصغيرة التي طُبعت عليها عبارات من قبيل (الله أكبر) و(عشاق كربلاء) و(زحفاً نحو القدس)، وكان من المقرر وضعها كعصابات على جباه المقاتلين المتوجهين إلى ساحات الشهادة، وأخذتُها إلى الإمام وطلبت منه أن يتفضل بتبريكها وتعطيرها بيديه الكريمتين. وضع الإمام يديه داخل كومة الأقمشة وراح يتلو الأدعية السنية لتسديد وتوفيق جند الحق. ثم تركت غرفته لقضاء بعض الأعمال وهو على حاله من الذكر والدعاء.

  لست سعيداً لسماع ذلك

مع حلول عيد رأس السنة الفارسية (النوروز) الذي يترافق مع عطلة رسمية طويلة نسبياً، قرر أحد المسؤولين الكبار في مكتب الإمام وكان يتمتع باحترام كبير في الأوساط العامة، أن يذهب في إجازة مع عائلته إلى خارج البلاد، حيث أنجز كل الترتيبات الأولية لسفره؛ من تأشيرة الدخول إلى بطاقة السفر إلى غيرها من الأمور. ثم قصد المكتب في أول أيام السنة الجديدة كي يبارك للإمام ويستأذن منه للمغادرة في اليوم التالي. مرت لحظات صمت قليلة أطرق فيها الإمام للتفكير، ثم قال بصوت يشوبه لحن خاص: (نسألكم الدعاء). عندما سمع المسؤول هذا الجواب الذي اختصر ردة الفعل السلبية عند الإمام وبعدما لاحظ علامات عدم الرضا والسرور على ملامح سماحته وصوته المتهدج، قال بنوع من التسامح: إن كان ذلك لا يروق لكم، ألغي السفر. عندها أجابه الإمام بلهجة تمزج المزاح بالمرارة، قائلاً: (الحقيقة أنني لست سعيداً لسماع أخبار سفراتكم المتعددة … على أي حال، رافقتك السلامة).

انتهت الزيارة وانصرفنا. وبعد ساعات من الحيرة والتردد، قرر صديقنا في عصر ذلك اليوم، إلغاء سفرته المقررة غداً. اعتقدت حينها أنه طالما أن الإمام لم يعلن اعتراضه الصريح على الأمر واكتفى بعبارة (لست سعيداً لسماع ذلك) للدلالة على عدم رضاه، وطالما أن عائلة المسؤول قد جهزت نفسها للسفر بشكل تام ويصعب عليها تقبّل فكرة الإلغاء، فإن رؤية الإمام له صبيحة الغد سيسبب لسماحته ضيقاً مما يحمله مجدداً على السماح له بالسفر، بالنظر إلى الظروف الاستثنائية للمسألة. لكن القضية أخذت منحاً مغايراً تماماً. عندما ذهبنا صبيحة اليوم التالي إلى المكتب وجلسنا بين يدي الإمام، أحسست وكأن الحديث الذي دار البارحة لم يكن، حيث لم ألاحظ أدنى تأثر أو ردة فعل على سماحته عندما رآنا معاً. وبناءً عليه، تُرى أي ضيق يشعر به الإمام، وأي ألم يعتصر قلبه الطاهر المقدس، عندما يلاحظ عدم التزام البعض بالأوامر الصريحة التي يقررها والنواهي الصريحة التي يعلنها.

أين عبارة (بسم الله الرحمن الرحيم)

في صبيحة إحدى أيام الآحاد، قُدَّمت مجموعة من التقارير والدراسات والملفات إلى سماحة الإمام الذي عمد إلى مراجعتها وإبداء ملاحظاته عليها في الوقت الذي كنا ننشغل فيه بأداء أعمالنا الاعتيادية. في هذه الأثناء، وبينما كان الإمام يتصفح إحدى التقارير المقدمة إليه من إحدى المؤسسات الثقافية، نظر إلينا وقال: (هل لكم أن تسألوا هذه المؤسسة لماذا لم تبدأ رسالتها بالبسملة؟). هذا نموذج بسيط عن دقة نظر الإمام وإحاطته بكفاة جوانب العمل الذي يؤديه، حيث لم تفته أي شاردة أو واردة، بل كان يحرص دوماً على مراعاة الآداب الإسلامية الأصيلة والتأكيد على أهميتها.

ارجع إلى كتاب (توضيع المسائل)

بعد انتهاء الدرس المقرر في مسجد الشيخ الأنصاري في النجف الأشرف، كنت أتمشى مع الإمام متوجهين إلى أطراف منزله، عندما خطرت في بالي مسألة شرعية معينة. أردت أن أغتنم الفرصة فسألته عن الموضوع. فأجابني على النحو التالي: ارجع إلى كتاب (توضيح المسائل). فوجئت بالجواب الذي سمعته واستغربته. لكن بعد فترة تأمل قصيرة، عرفت أن سماحته قد أعطاني درساً هاماً في توجيهه لي حول كيفية الوقوف على جواب المسألة الشرعية. إن من يتمتع بقدر معقول من موهبة البحث والتحقيق والمطالعة، سواءً كان من طلبة العلوم الدينية أو غيرهم من الأشخاص، ينبغي أن يصرف وقتاً معيناً في طريق الرجوع إلى المنابع والمصادر العلمية المعتبرة لكي يستخرج منها ما يريده، ولا يجب أن يستنكف عن بذل هذا الجهد والتعبد الفكري. وهذا العمل من شأنه أن ينمي في نفسه روح المطالعة والاستقصاء والبحث، ويعلّمه الثقة بالنفس والاعتماد على الذات. أما إذا اعترضته بعض الصعوبات في هذا السبيل، فما عليه سوى الرجوع إلى من هم أطول باعاً منه في هذا المجال، وأن يراعي التراتب الموضوعي في عمله. أي أن يراجع أولاً إلى كتاب (توضيح المسائل) مثلاً، ومنها إلى كتابي (التحرير) و(العروة)، وبعدها إلى الهيئة الشرعية للاستفتاء على أقصى الاحتمالات. لا أن يقفز فوق المسائل، متخطياً المراحل الأولية المتاحة.

اسألوا مكتب الاستفتاء بشأن هذه المسألة

هذه العبارة سمعناها مراراً وتكراراً من سماحته خلال سنوات الإقامة إلى جانبه في جماران، تعليقاً منه على العديد من المباحث والأمور المطروحة. على سبيل المثال، نقل إليه سؤال شرعي عن لسان السيد كمال الموسوي الشيرازي حول شخص في عهدته قضاء صيام عدة أيام ولديه متسع من الوقع لايفائها. ترى هل يستطيع اللجوء إلى الصيام المستأجر؟

رد الإمام على السؤال بقوله: (عودوا إلى الرسالة الشرعية). ثم طرح سؤال مكرر من قبل السيد الموسوي مفاده أنه لم يعثر على جواب شاف في الرسالة المشار إليها. فأجاب الإمام: (اسألوا مكتب الاستفتاء بشأن هذه المسألة). وهناك نماذج كثيرة أخرى من هذا القبيل، بيّنت لنا ضرورة مراعاة سلسلة الأنظمة والقوانين، والتراتبية أثناء العمل واتخاذ القرارات، مما كان لها أعمق الأثر في تنمية هذه الروح بين الكوادر والمسؤولين. وفي حال وصل مكتب الاستفتاء إلى طريق مسدود فيما يتعلق بموضوع خاص، وعجز عن تقديم جواب صحيح، أو إذا نقل السؤال الشرعي عن لسان أحد أعضاء المكتب المذكور. عندها، كان الإمام يجيب على المسألة المطروحة عليه.

اتّبع سماحة الإمام أسلوباً عملياً يقتضي احترام الأنظمة والمقررات المرعية، والتقييد بالتراتبية في العمل، خلال تعاطيه مع كافة المسائل، خاصة بالنسبة للمواضيع الإدارية. تستثنى من ذلك بعض الحالات الخاصة التي كان يعلم فيها بأن هناك إدارة معينة، أو مسؤولاً معيناً، لا يقوم بأداء الواجبات المطلوبة منه، أو أنه يرتكب بعض المخالفات القانونية، حيث كان يتصدى للمسألة بحسب ما تقتضيه من القوة. حتى أنه في بعض الأحيان، عمد إلى التدخل المباشر من أجل ضمان المصلحة العامة، كما شاهدنا ذات مرة عندما تدخل في مجال بعض المسائل القضائية.

إلا أن التوجه الأساسي الذي حكم قراراته، كان يقتضي بأنه عندما تقرر التشكيلات الحكومية وضع شخصيات معينة وبعض الكوادر والمسؤولين في مواقع محدودة، مع توفير عامل الثقة والإطمئنان تجاههم، لا يبدي رأيه الخاص في الأمور التي ترجع إليه في حاله مجافاتها للتراتبية وسلسلة الأنظمة المرعية، حيث كان يقول بصراحة: (هذا الأمر لا يتعلق بي، لماذا أرسل إلى هنا؟).

وفي بعض الأحيان، كان يلتزم الصمت، أو يقول: (راجعوا السيد فلان، المسؤول عن هذه القضايا).

وسأورد في هذا المقام مثالين معبّرين عن أسلوبه هذا.

لماذا أرسل الطلب إلينا؟

ذات مرة، أرسل أحد مسؤولي جهاز التوعية السياسية والعقائدية في إحدى المؤسسات الحكومية، رسالة إلى سماحة الإمام شرح له فيها فكرة تأسيس صندوق للقرض الحسن. وبعد أن عدّد المزايا الإيجابية التي يحملها المشروع، طرح طلباً للمساعدة والدعم من سماحته. فما كان من الإمام إلا أن قال: (لماذا أرسل الطلب إلينا؟ هذه المسألة تتعلق بأجهزة الدولة).

وما دخلي في هذه المسألة؟

أرسل أحد رؤساء إحدى المجموعات السياسية برقية إلى الإمام الخميني طالباً منه فيها، العمل على إطلاق سراح عدد من الكوادر التابعة له، من الذين كانوا قد اعتقلوا لأسباب معينة.

وصلت الرسالة إلى سماحته. وعندما اطلع على مضمونها، علّق قائلاً: وما دخلي أنا في هذه المسألة؟ وهل تم اعتقالهم بإيعازٍ مني؟

 

 

 



تعداد بازدید:  2268




Skip Navigation Links
دستور الجمهورية الاسلامية الايرانيةدستور الجمهورية الاسلامية الايرانية
ذكرياتذكرياتExpand ذكريات
المقالاتالمقالات
سيرة الإمام الخميني (ره)سيرة الإمام الخميني (ره)Expand سيرة الإمام الخميني (ره)
كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)Expand كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)
احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)Expand احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)
الوصية الإلهية السياسيةالوصية الإلهية السياسيةExpand الوصية الإلهية السياسية
اشعار حول الامام اشعار حول الامام Expand اشعار حول الامام