فصول من أيام الثورة و تأريخها                 


فصول من أيام الثورة و تأريخها

السيد محمود دعائي يتذكر و يتحدث عن بعض أسرار مرحلة العراق

غالباً ما يحجب طغيان الموجات العالية في الحدث تلك الخيوط الدقيقة التي تكمن في الخلفية وتستريح وراء الستار. وتأريخ الثورات والتحولات الكبيرة يُقرأ عادة باختراق هدير الموجات العالية والنفوذ للعقل أو العقول الكامنة وراءها.

وإذا كانت القراءة المتأنية غير ممكنة أو صعبة اثناء صخب الأمواج، فلا شكّ أنها ستكون ممكنة، بل مطلوبة وضرورية في سنوات الهدوء. لا نريد أن ندخل في جدل النقاش التقليدي المنبثق من حول السؤال العتيد: هل آن الأوان لتدوين وقائع الثورة الإسلامية أم ان الوقت مازال مبكراً؟ فاياً ما تكون الاجابة تبقى ثمة حقيقة تفرض ذاتها على الجميع؛ مؤدّاها انَّ مسارات ما بعد الانتصار التهمت رجالاً ذوي عقول وأدوار كبيرة في الثورة، وبغيابهم هُدرت كنوز لا تعوّض من المعلومات والحقائق التي ظلت مكنونة في الصدور وراحت مع أهلها إلى الأحداث.

واذا قدّر لهذا المسار ان يدوم فستأتي الحصيلة بفاجعة تعود على مستقبل الثورة ووعي أجيالها، مما ينبغي تدارك الذي فات بتكثيف سجلات الخواطر والذكريات بصبغة منهجية تتجاوز الجهود الفردية.

هذه الأسطر تجمع بين دفتيها ما يزيد على الذكريات والخواطر؛ فهي تتحدث عن خيوط مهمة في أساسيات الثورة وقائدها، يوم كان الإمام في النجف الأشرف؛ ويوم كانت الأحداث الكبيرة ماتزال خمائر وبذور لم تتفتح بعد.

أما الشاهد الذي ينطق بها فقد مكث في جوار الإمام ما يزيد على العقد من السنوات، واكب خلالها التفاصيل واندمج في المشهد كأحد صناعه؛ وربما نتذكر هول المفاجأة التي صدمت الرأي العام عندما تحوّل راوي هذه الشهادة من “معارض مجهول” إلى سفير ملأت صورته شاشة التلفزيون وهو يقدم أوراق اعتماد الثورة المنتصرة لرئيس الدولة التي عاش فيها معارضاً. يقيناً ان صدر السيد محمود دعائي يكتنز أضعاف هذه المعلومات التي ننتظر أن تجد فرصتها للقارئ مكتفين ـ فعلاً ـ بما رشح منها في هذه السطور.

نود أن نمرّ سريعاً على بعض المحطات في المسار الجهادي الذي قاد لانتصار الثورة الإسلامية؟

عندما وصلت إلى قم للدراسة الحوزوية كان الإمام (رحمة اللّه عليه) في المعتقل. سكنت أولاً في غرفة بمدرسة الحجتية، ثم انتقلت بعدها لمدرسة (خان). لم يمر وقت طويل حتى اُطلق سراح الإمام فرحت لزيارته، وكان هذا أول لقاء لي معه. كنتُ في أواسط دراستي لـ(الكفاية) حينما اُبعد الإمام إلى تركيا ومنها إلى النجف الأشرف.

كانت لنا في تلك الأيام بعض الفعاليات الجهادية إلى جوار الدراسة الحوزوية، وهذه الفعاليات كانت تتم بشكل أساس تحت اشراف المرحوم آية اللّه رباني شيرازي والشيخ هاشمي رفسنجاني والشيخ مصباح يزدي وبعض السادة الآخرين.

كان من بين أبرز نشاطات هذه النواة الجهادية اصدار نشرة سياسية ـ ثقافية تحمل عنوان (البعثة) إذ كنا نعد هذه النشرة في بيت الشيخ رضا شريفي كركاني، ونقوم بطبعها وتجهيزها للتوزيع من ذلك المكان.

   إلى العراق

سافرتُ إلى العراق مرتان، المرة الاُولى عقب انكشاف نشاطي للسافاك في قم، فقررت أن أتوارى عن الأنظار لمدة معينة حتى ينساني السافاك. وكان إلى جوار ذلك، يستبد بي شوق لزيارة العتبات المقدّسة في هذا البلد ورؤية الإمام. على خلفية هذين العاملين ذهبت إلى العراق وبقيت فيه ثلاثة أشهر.

أثناء وجودي في النجف الاشرف، قام الإمام للمرة الاُولى بعد نفيه من إيران، بكتابة خطاب مفتوح إلى رئيس الوزراء هويدا، وإلى جواره بيان وجههُ للعلماء والفضلاء في الحوزات العلمية.

قامت الخلايا الجهادية باعادة طبع وتوزيع الخطابين على نطاق واسع مما قاد إلى ملاحقة واسعة قام بها السافاك انتهت إلى كبس المطبعة وكشف خلايا التوزيع واعتقال عدد منهم.

قادَ هذا الموقف إلى تعزيز الروح المعنوية لجهاز السافاك حيث كتب في تقاريره الخاصة: لقد استطعنا اعتقال جميع الخلايا المرتبطة بالسيد الخميني، ولم يعد له مؤيدون داخل البلد!

حصل ذلك قبل الغروب في مدرسة السيد البروجردي (في النجف الأشرف) عندما كنتُ بانتظار أداء صلاة المغرب؛ إذ دخل السيد مصطفى الخميني (رحمة اللّه عليه) وذكر لي ما حلَّ بالمجاهدين في طهران، وطلب منّي العودة إلى إيران لتدارك أسباب ذلك الانكسار، إذا كان بمقدوري ذلك.

أبديت استعدادي للعودة إلى إيران، وقد ذكرت للسيد مصطفى ان تحت يدي وسائل لطبع المنشورات وهي ما زالت مخفية في مكان أمين.

عدت إلى إيران، واشتغلت بطبع المنشورات، وتعاونا مع البعض في توزيعها على نطاق واسع، ثم اعتقل السافاك أحد العاملين في هذه الشبكة، ممّا قاد إلى ان أكون مطلوباً من قبل السافاك، الذي وزّع صوري على نطاق واسع. ذهبت إلى آبادان، حيث بعث معي السيد قائمي ـ متولي مدرسة طلاب العلوم الدينيةـ من يأخذ بيدي إلى العراق، بعد أن لبست ـ للتمويه ـ عمامة بيضاء بدلاً من عمامتي السوداء.

أوصلني دليلي “صمد” إلى طريق الفاو ـ البصرة، وبعد مشاق كثيرة وصلت إلى النجف.

نرجو أن تحدثونا عن نشاطكم في هذه المدة، سيما بشأن دوركم في الإذاعة الموجهة التي كانت لكم من بغداد؟

تعود هذه الفترة من المقاومة إلى مرحلة تفاقم الأزمة بين إيران والعراق، إذ تمَّ على هذا الصعيد الاستفادة من البث الإذاعي في توجيه النشاط السياسي المعادي لنظام الشاه.

ومازلت أذكر بداية القصة، إذ جاءني السيد مصطفى الخميني في أحد الايام، وقال: اقترحوا علينا ـ النظام الحاكم في العراق ـ أن بمقدورنا أن نستفيد من الارسال الإذاعي في بث أفكارنا وأخبارنا وما نصوره من بيانات، فهل يمكنك النهوض بهذه المهمة؟

قبلت ذلك، وبدأ ارسالنا الإذاعي تحت عنوان “نهضة العلماء في إيران”. كنّا نبث بادئ الأمر 15 ـ 30 دقيقة يومياً من خلال موجات راديو بغداد، وبعد أن حصلنا على موجة ارسال خاصة بنا، أخذنا نبث 45 دقيقة يومياً، وقد دام العمل في المضمار الإذاعي سبع سنوات.

وكيف كنتم تحصلون على الأخبار التي تذاع من خلال برنامجكم الإذاعي؟

كنا نحصل على الأخبار الخاصة بالداخل الإيراني بعدّة طرق، هي:

1 ـ الأصدقاء الذين يتنقلون بين إيران والعراق.

2 ـ الزوّار الذين يقدمون إلى العراق لزيارة العتبات المقدّسة.

3 ـ الأخبار والمعلومات التي كانت تمدنا بها التنظيمات الطلابية للطلبة الإيرانيين في الخارج، وبالذات في اُوربا؛ إذ كان هؤلاء يمدونا بما يحصلون عليه من خلال التلفون.

هل كان لكم زملاء يعملون معكم في البرنامج الإذاعي هذا؟

كلا، فقد كنت أنهض بالمهمة لوحدي، إذ كنت أجمع المادة وعندما تكون جاهزة إذاعياً اُسافر إلى بغداد فأقوم بالتسجيل في استوديوهات راديو بغداد ثم أعود. وقد مضيت على هذا النهج لوحدي في المرحلتين معاً؛ أي حينما كنا نزاول الارسال من خلال موجات راديو بغداد، وعندما أصبحت لنا موجهة ارسال خاصة بنا ايضاً.

أجل، أذكر أنّ الشهيد محمّد منتظري أمدّني بمعلومات وأخبار مهمة عندما لبث مدة قصيرة في العراق، بحكم صلاته الوثيقة بالممارسات الجهادية في الخارج. 

إلى أي مدى كان الإمام يُشرف على هذا البرنامج الإذاعي؟

كانت الأجواء المحكومة بمواقف المتحجرين والجامدين في النجف تُملي علينا أن لا نكشف علناً عن ارتباط هذا البرنامج بالإمام، كما كنا حريصين على عدم اظهار هذه الصلة لدواعي اُخرى ترتبط بما يمكن أن تقود إليه بعض الأخطاء في الارسال الإذاعي، من أذى تلحقه بشخصية الإمام وموقعه القيادي، لذلك كله كنّا نتكتم في نسبة العمل علناً إلى الإمام.

أمّا أصل الاقتراح فقد قدمه لي السيد مصطفى الخميني نجل الإمام ـ كما ذكرت ـ واحتمل ان الإمام كان يستمع لهذا البرنامج.

ومازلت أذكر ان الإمام طلب في احدى المرّات أن يطّلع على حلقات من البرنامج، وحينما رآها أوصى ببعض التوجيهات التي أخذناها بنظر الاعتبار. 

    بعد معاهدة الجزائر

ضاقت علينا الأوضاع بشدّة بعد امضاء اتفاق الجزائر بين صدام والشاه، بحيث لم يعد بمقدورنا أن نطبع ونكثّر منشوراتنا وبياناتنا في العراق، حتى اضطررنا مدة ان نسافر إلى سوريا لتكثير المنشورات، ثم نعود إلى العراق.

وغطاء سفري إلى سوريا وعودتي للعراق، كان يتم من خلال بطاقة كنت أحملها من منظمة فتح، حصلت عليها بعد أن أمضيت دورة تدريبية مدتها ثلاثة أشهر في معسكرات الفلسطينيين في لبنان. عن هذا الطريق كنت اُسافر إلى بغداد فاُغير ملابسي هناك، واُغادر إلى سوريا ببطاقة فتح، وعندما أنتهي من عملي، أعود إلى بغداد ثانية، فاستبدل ملابسي مرة اُخرى، وأقفل راجعاً إلى النجف. ومع ذلك كان لنا في بغداد مركز لطبع المنشورات وتكثيرها لم يكتشف حتى آخر لحظات وجودنا في العراق.

وقصة هذا المركز تعود إلى علاقة وطّدت لي مع أحد العاملين في أجهزة الطباعة. وقد كانت في بغداد سوق مركزية لبيع وتعمير أجهزة الطباعة والتكثير، وكان المسؤول عن السوق رجل مسيحي كنيته “أبو ابراهيم”. ذهبت لأبي ابراهيم وقلت له: انني أحد العلماء ولي مدرسة لطلبة العلوم الدينية في كربلاء، وأحتاج أحياناً لتكثير بعض الأوراق والمواد بعدد الطلاب المتواجدين في المدرسة، بيدَ ان البعثيين يعرقلون عملي هذا ولا يسمحون به.

ثم قلت له: أنا وأنت يجمعنا الإيمان باللّه، وأرجوك أن تنجز لي هذه المهمة في سبيل اللّه ومن أجل اللّه.

قبل أبو ابراهيم القيام بذلك. فكنت عن هذا الطريق أطبع بيانات الإمام بعدد أفراد الفصل الدراسي الواحد، في حين اُكثّرها أحياناً اُخرى بعدد طلاب خمسة صفوف.

توطّدت العلاقة بيني وبين العاملين في هذا المركز، وكنت أحمل لهم بعض الهدايا في عيد الميلاد وفي غير ذلك من المناسبات، وقد بلغت ثقتهم بي، اني كنت أحياناً أقف على الجهاز واُكثر البيانات والمنشورات بنفسي.

كان الإمام يصدر بيانه صباحاً، وفي الليل يكون قد انتشر بين الزوّار ووزّع على نطاق واسع. وقد فعلنا ذلك أيضاً مع المقابلة الشهيرة التي أجرتها صحيفة اللوموند مع الإمام؛ إذ قمنا بترجمتها وتوزيعها في بغداد وإيران ولبنان وبلاد اُخرى كثيرة، باللغات العربية والانجليزية والفارسية بالاضافة إلى الفرنسية.

أثار هذا الواقع حفيظة (النظام العراقي) فقد كان السافاك والعاملون في سفارة إيران في بغداد يتهمون العراق، بأنه هو الذي يزوّدنا بالامكانات ويسهّل لنا طبع البيانات، وهذا يتعارض مع اتفاق الجزائر.

ومن جهتها أخذت الأجهزة الأمنية العراقية تزيد من ضغوطاتها علينا حتى أنهم هدّدوني بالاعتقال مرة، وبنقلي إلى إيران مخفوراً، بيدَ أنّهم لم يفلحوا أبداً في اكتشاف المكان وبقية ملابسات الموضوع. 

عندما كنتُ سفيراً!

عُينت بعد انتصار الثورة الإسلامية مسؤولاً عن سفارة الجمهورية الإسلامية في بغداد، وقد حصل في أحد الايام أن اُصيب جهاز التكثير بالسفارة بالعطل، فبعثت أحد العاملين بالسفارة على عنوان ذلك المسيحي الذي كُنا نكثر عنده بيانات الإمام وخطاباته، وقد طلبت منه المجيء لتعمير الجهاز.

يقول الرسول الذي بعثته: عندما قدمت نفسي لذلك المسيحي وعرف اني مرسل من قبلك، أخذني إلى جانب معزول من الورشة وشرع بالبكاء، ثم قبلني وقال: لم أكن أعرف من أنتم، ولا ماذا تفعلون، ولكن عندما رأيت السيد [دعائي] من على شاشة التلفزيون وهو يقدّم أوراق اعتماده إلى أحمد حسن البكر، انكشفت لي هويته، وعلمت طبيعة تلك الأوراق التي كان يقوم بتكثيرها عندي.

أضاف: إذا أتيت الآن لسفارتكم، فانّ البعثيين سيشكون بي وَيؤذونني. قل للسيّد: لا تثق بمصلّح عراقي، لأنّ لهم جميعاً علاقة بجهاز الأمن، والذي يجيء للسفارة؛ لابدَّ وان يكون موظفاً بالأمن يتلبس بثوب المصلّح، إذ لا يسمح النظام لأي انسان بدخول السفارة باستثناء شرطة الأمن.

ثم قال: ابعثوا من طهران على مصلّح إيراني كي يقوم بتعمير الجهاز.

ننتقل وإيّاكم الآن إلى بعض الذكريات التي ترتبط بمغادرة الإمام الخميني للعراق؟

بعد استشهاد السيد مصطفى الخميني، زادت الفعاليات الجهادية حتى بلغت ذروتها؛ أخذ نظام الشاه يضغط على العراقيين بحسب مفاد معاهدة الجزائر، كي يحولوا بيننا وبين النشاط الذي يقوم به الإمام. وبدوره أخذ العراق يُضيّق على نشاطات الإمام يوماً بعد آخر، إلى أن جاء يوم طلبوني فيه، وبلغوني رسمياً قراراً مؤدّاه: في الوقت الذي نكنّ لكم فيه وافر التقدير والاحترام، إلاّ أنّ لنا مشكلاتنا الخاصة المتأتية مِن طبيعة علاقتنا مع الشاه، لذلك نرجو أن تراعوا أوضاعنا الخاصة، ولا تمارسوا نشاطاً علنياً.

عندما بلّغت الإمام بالطلب العراقي، علّق قائلاً: هذا أول المشوار! ثم طلب مني أن اُبلّغ الحكومة العراقية، بأنَّ سماحته يرفض النزول عند رغبتها، وقال: لا يسعني أن أبقى ساكتاً في حين يستمر من يؤمن بي في إيران بمواصلة الجهاد وبذل الدم.

أضاف الإمام: إذا لم يرغب هؤلاء ببقائي هنا، فساُغادر إلى بلد آخر لأقول ما اُريد.

لم يرِد العراق ابتداءاً أن يزيد من ضغوطاته، لذلك اقتصر طلبه على ان لا تُرسل أشرطة الكاسيت التي تضم بيانات الإمام وخطبه، من العراق إلى إيران، كما رغب أن لا تكثّر بيانات الإمام في العراق. بيدَ أنَّ ضغوطات السافاك والجهاز الدبلوماسي الإيراني في بغداد بلغا درجة من القوة، اضطرَّ فيها العراق لكي يأخذ قراراً بالوقوف حيال نشاطات الإمام.

كانَ أول ما فعله العراق، انه حاصر بيت الإمام في النجف واعتقل بعض أنصاره، فما كان من الإمام إلاّ أن ردَّ على هذه الخطوة بالاعتصام داخل داره، حيث رفض الخروج من المنزل اعتراضاً على ما بدر من العراق. لم يستطع النظام العراقي أن يتحمل تبعات خطوته هذه وما قادت إليه من ردود فعل خارج العراق، لذلك قدّم اعتذاره إلى الإمام وفكّ الحصار عن داره، بيدَ أنَّه عاد ليفرض الرقابة على منزل الإمام بذريعة انَّ أتباع النظام الشاهنشاهي يخططون للتعرض للإمام، وانّ من مسؤولية العراق الحفاظ على حياة الإمام.

لذلك كلّه شدّدوا الرقابة على بيت الإمام بهذه الذريعة، فما كان من الإمام إلاّ أن قال: هؤلاء لا يستهدفون الوقاية، بل يريدون ممارسة الرقابة عن هذا السبيل!

استمر الوضع على هذا المنوال إلى أن طلبوا منّي الحضور إلى بغداد لأمرٍ مهم. عندما ذهبت إلى بغداد، قالوا لي: قرّر مجلس قيادة الثورة ان يبعث مندوباً رسمياً للتفاوض مع آية اللّه الخميني، والذي نريده منه، أن يعيّن موعداً للقاء. 

مع سعدون شاكر

بلّغت الإمام بما أرادوه، فعيّن لهم بعد الظهر موعداً للقاء. جاء سعدون شاكر في الوقت المعين ـ وقد كان يشغل آنئذ منصب رئيس جهاز الأمن العام في العراق ـ بصحبة محافظ النجف ومدير أمن النجف ومسؤول منظمة الأوقاف فيها، الذي كان يتحدّث الفارسية.

كان أول حديثهم، انهم أشاروا إلي وسألوا الإمام: هل يمثلكم (السيد دعائي) وَيعبّر فيما يحمله إلينا، عن موقفكم الرسمي أم لا؟

أجاب الإمام: أجل.

تحدّث سعدون شاكر بعد ذلك باحترام ولكن بجد، فقال: وفق التحولات الجديدة في علاقتنا مع إيران، لا يسمح للمعارضين من الطرفين القيام بنشاطات معارضة من على أراضي البلد الآخر، ونحن ملتزمون بهذا التعهد، ولذلك نطلب منكم ان توقفوا نشاطكم العلني ضدَّ شاه إيران.

أجاب الإمام: لن أترك النشاط الذي أقوم به، وأنا لا أستطيع أن اتجاهل الشعب الإيراني المظلوم وهو يعيش تحت ظلم الشاه.

قال سعدون شاكر مجدداً: نحن مُلزمون بالوفاء بتعهداتنا ولا نسمح لكم بممارسة النشاط.

أجاب الإمام: إذا كنتم محرجون فأنا اُغادر العراق.

ثم أشار الإمام إلى بساطٍ مفروش في الغرفة، وقال: إلى أي مكان أذهب أفرش هذا البساط واشرع بعملي!

سأل سعدون شاكر: وإلى أين تغادر؟

ردَّ الإمام: إلى بلدٍ لا يكون مستعمرة تابعة للشاه، ولا يكون لموظفيه نفوذاً على ذلك البلد!

كان جواب الإمام هذا قاسياً تجرّعوه بمرارة.

أوضح سعدون شاكر: تعلمون انه لم تكن لنا علاقات جيدة مع نظام الشاه بالأساس، وما نزال على موقفنا منه، ولكنا مجبرون على هذا الموقف بدوافع ترتبط بمصلحة البلد، لذلك نرجوك أن تجمد نشاطك لمدة معينة.

ردَّ الإمام: أنا أعمل بتكليفي، ولا أجيز لنفسي السكوت حتى للحظة واحدة، وإذا كان في وجودي هنا ما يضايقكم، فأنا ساُغادر العراق.

بعد يومين من انتهاء اللقاء مع سعدون شاكر، قامت قوات الأمن بفرض الحصار مجدداً على بيت الإمام، حتى أخذوا يلقون القبض على من يزور البيت. عندئذ أعطاني الإمام جواز سفره، كي أذهب به إلى بغداد، للحصول على موافقة مسؤولي الأمن لمغادرة العراق. عندما قدمت الجواز، قال لي مسؤول الأمن: لا نريد أن يخرج السيّد من العراق، بل كل ما نريده ان لا يمارس النشاط العلني. أجبته: لم يقبل الإمام هذا الاقتراح، وقد أوضح ذلك للسيد سعدون شاكر بصراحة.

طلب مني المسؤول الأمني أن أنتظر الجواب في اليوم الثاني، وعندما عدت إليه في اليوم التالي قال: ما دام السيد يتمتع بحق الاقامة القانونية في العراق، فبيده شخصياً قرار السفر، وبمقدوره ان يسافر متى شاء. 

بداية العدّ العكسي للمغادرة

أعطاني الإمام جواز سفره وجواز سفر السيد أحمد وطلب منّي انجاز المقدمات الرسمية اللازمة للمغادرة، وقد كان الإمام راغباً بالانتقال إلى سوريا، بيد أنَّ التعارض القائم بين البلدين، كان يمكن ان يدفع العراقيين لمنع الإمام من السفر إلى سوريا، لذلك عزم سماحته على السفر إلى الكويت أولاً، ومنها ينتقل إلى سوريا.

اتصلنا بالمرحوم السيد المهري وكيل الإمام في الكويت، فدبَّر لنا دعوة رسمية (طلبية) لدخول الكويت وبعثها لنا باسم روح اللّه مصطفى مصطفوي، وهذا هو اسم الإمام في الجنسية حيث لا محل للقب الخميني، وبهذا الاُسلوب فات على السلطات المسؤولة في الكويت ان حامل الدعوة هو الإمام الخميني، وكذلك لم تنتبه السلطات العراقية لذلك أيضاً.

لقد كان من مسؤوليتي في النجف أن أنجز الأعمال التي تتصل بتمديد اقامة الإمام والمحيطين به، وأخذ اذونات السفر لهم عند الحاجة. على أساس هذه المسؤولية ولكثرة تردّدي إلى مديرية السفر والجنسية في النجف، كانت علاقتي قد توطدت بهم، خصوصاً واني كنت اُقدم بعض الهدايا لهم أحياناً.

على خلفية علاقة الودّ فيما بيننا كانوا يتعاونون معي ويسهّلون لي انجاز المعاملات الرسمية، بل كنت أحياناً أمهر الجوازات بتأشيرة الخروج بنفسي! كما كنت استفيد من أجواء الثقة التي تربطني بموظفي هذه الدائرة لتيسير المعاملات المعوقة لأصحابنا في النجف.

في ضوء هذه العلاقة الوطيدة أردت ان أحصل للإمام ونجله السيد أحمد على اذن الخروج من دون ان ينتبه مدير السفر والجنسية لذلك. وقد تم هذا الأمر لي بلطائف الحيل. وهكذا لم يكن أحد في النجف كلها يعلم بعزم الإمام على السفر حتى الليلة الأخيرة، سواي والسيد أحمد. وقد استمر هذا التكتم على سفر الإمام للكويت إلى قبل نصف ساعة من الغروب. في الليلة الأخيرة تشاورت أنا والسيد أحمد في الأمر، وفيما إذا كان من الصلاح ان نلتزم حالة التكتم هذه حتى النهاية، أم نقوم بإعلام الجهات المسؤولة بسفر الإمام؟ النتيجة التي انتهينا إليها، أنّ الإمام إذا تعرض لأيّ حادث، فانَّ السلطات ستلومنا وتأخذ علينا عدم اعلامها بالسفر، ثم رأينا انَّ الواجب الأخلاقي يفرض علينا ـ ربما ـ أن لا نغادر البلد من دون ان نُعلم السلطات المسؤولة.

لذلك كلّه قررنا أن نتصل بهم ونضعهم في الصورة.

في الساعة التاسعة من مساء تلك الليلة اتصلت هاتفياً بمديرية أمن النجف وذكرت لهم ان سماحة الإمام عازم على مغادرة العراق فجر اليوم التالي.

سألوني بدهشة: وهل حصل على تأشيرة الخروج؟

أجبت: أجل.

سألوا: متى؟

أجبت: اليوم!

سألوا: وإلى أين سيغادر؟

أجبت: إلى الكويت

قالوا: وماذا عن تأشيرة الدخول للكويت؟

قلت: حصل الإمام على دعوة تأذن له بالدخول.

لقد اتضح بعدئذ، أنَّ هناك خلافاً في وجهات النظر نشَبَ بين النظامين العراقي والإيراني؛ فالنظام في إيران كان يصر على أن يبقى الإمام في العراق، ولا يغادر إلى بلد آخر، حيث لا يمكن الضغط عليه، في حين كان العراق يريد أن يغادر الإمام البلد برغبته لكي يتخلص من موقفه الحرج مع إيران.

في صباح اليوم التالي، حضرت مجموعة من السيارات التابعة للدوائر الأمنية في النجف، فتحركنا نحو الكويت بمعية الإمام والسيد أحمد وعدد آخر من الأصدقاء، تُرافقنا قافلة من سيارات الأمن، حيث كانوا يتابعون حركتنا بأجهزة اللاسلكي لحظة بلحظة إلى ان وصلنا الحدود الكويتية.

كانت لحظة صعبة، هي لحظة وداع الإمام وفراقه، وقد قلت له عند التوديع: ولا جعله اللّه آخر العهد مني لزيارتكم، فدعا لي ثم افترقنا.

انتظرنا برهة من الوقت إلى ان اطمأننا إلى أنّ الإمام قد غادر النقطة الحدودية العراقية نحو الكويت، ثم قفلنا عائدين إلى النجف. وفي النجف كانت المفاجأة المذهلة عندما أخبرنا الشيخ رضواني بحزن انَّ الإمام لم يدخل الكويت، وهو اليوم في أحد فنادق البصرة.

كنت متعباً جداً مصاباً بالارهاق الشديد حين عدت إلى بيتي فرأيت رجال الأمن هناك، إذ أخبروني انَّ أبا سعد مدير أمن النجف يطلبني لأمرٍ فوري، فذهبنا إلى داره فوراً، فقال: تبلغك السلطات في بغداد بأنَّ آية اللّه الخميني في أحد فنادق البصرة الآن، وهو عازم على المجيء إلى بغداد في اليوم التالي، وأنت شخصياً تتعهد ان تبلغه رسمياً بأنه إذا رام العودة إلى النجف، فان ذلك مشروط بامتناعه عن اللقاءات العامة وعليه أن يلزم البيت.

قلت لأبي سعد: من خلال معرفتي بالإمام، لا أحسب انه يوافق على هذا الاقتراح، وفي الوقت نفسه لا أظن أنه يريد البقاء في العراق.

دار بيننا حديث آخر لا مجال لذكره الآن. ولكني في اليوم الثاني سـافرت إلى بغداد مبكراً وذهبـت إلـى المطار، إلى أن وصل الإمام، تقدمت إليه فقبلت يديه، فتبسم وقال: لقد اُستُجيبَ دعاؤك إذ ذلك في اشارة من سماحته لقولي له اثناء التوديع: ولا جعله اللّه آخر العهد مني لزيارتكم.

نقلتُ إليه ما أبلغتني به السلطات الأمنية، فقال لي، أنا عازم على السفر إلى باريس، ولأن الرحلة إلى باريس لا تتم قبل الغد، فأنا سنمضي الليلة في بغداد.

قام العراقيون باسكان الإمام تلك الليلة في واحدٍ من أضخم فنادق بغداد اسمه “دار السلام” وقد أخلوا له ولمرافقيه طبقة كاملة.

حملت هذه الليلة ذكريات جميلة كثيرة سواء في الفندق حيث أقام الإمام أو أثناء زيارته لحرم الإمامين الكاظم والجواد في الكاظمية لا مجال لتسجيلها الآن. ولكن الذي حصل في اليوم التالي اننا ذهبنا مع الإمام إلى مطار بغداد، فأخذوا بالإمام إلى قاعة التشريفات الرسمية، وفي هذه الأثناء قلت لمعاون أمن بغداد الذي كان يرافقنا: عندما قدم الإمام إلى العراق في عهد عبدالرحمن عارف، بعث الأخير لاستقباله في المطار وزير الشباب ليمثل الحكومة العراقية رسمياً، وكانت تلك التفاتة حسنة.

واقتراحي الآن: أرى من المفيد أن تودّعوا الإمام رسمياً لكي لا يقال انَّ البعثيين وجهوا اهانة للإمام.

كنت أهدف من هذا الاقتراح تحقيق أمرين، الأول: ان أوجّه بهذه الخطوة ـ لو حصلت ـ ضربة إلى نظام الشاه. الثاني: كنت اُريد أن تتدهور العلاقة أكثر بين النظامين.

قال لي معاون مدير الأمن العام، سأخبر السلطات المسؤولة باقتراحك وانتظر جوابها.

ذهب ثم عاد وهو يقول: اقتراحك ليس عملي، ولكن لدينا رسالة عليك أن تبلغها لآية اللّه الخميني في آخر لحظة قبل اقلاع الطائرة. سألته: وما هي الرسالة؟

أجاب: تبلغه ان لا يعود إلى العراق مجدداً إذا رفضت فرنسا استقباله.

قلت له: ليست هذه هدية لائقة تقدموها للمسافر في اللحظات الأخيرة من سفره. ثم أضفت: لا أرغب ان اُبلغ الإمام هذه الرسالة بحكم علاقتي الوطيدة به، ولا اُريد أن اوجّه له اهانة وأزيد من معاناته، لذلك اقترح عليكم أن اُبلغها لولده السيد أحمد.

ذهب معاون مدير الأمن العام، ثم عاد وقال: يجب ان تبلغ الرسالة لشخص آية اللّه مباشرة. ذكرت القصة للسيد أحمد، وقلت له اني لست على استعداد لابلاغ الإمام فحوى الرسالة.

اتفق السيد أحمد معي بالرأي، ثم قلت له: سأقول للإمام كلاماً في اللحظات الأخيرة يبعث على إطلاق البسمة بين شفتيه، فيظن من يراقب المشهد، انّ سماحته لم يعبأ بالرسالة.

تقدمت في اللحظات الأخيرة صوب الكرسي الذي يجلس عليه في الطائرة، قبلت يديه، ثم قلت له بحزن أقول لك مرةً اُخرى “ولا جعله اللّه آخر العهد مني لزيارتكم”.

عندما سمع الإمام دعائي هذا تبسّم ثم دعا لي.

عندما قفلت راجعاً، سألني معاون مدير الأمن العام، فيما إذا كنت قد أبلغت الإمام الرسالة، فأجبته: أجل.

سألني: وماذا قال؟

أجبت: ضحك!

ثم طار الإمام إلى باريس.

 

 



تعداد بازدید:  2236




Skip Navigation Links
دستور الجمهورية الاسلامية الايرانيةدستور الجمهورية الاسلامية الايرانية
ذكرياتذكرياتExpand ذكريات
المقالاتالمقالات
سيرة الإمام الخميني (ره)سيرة الإمام الخميني (ره)Expand سيرة الإمام الخميني (ره)
كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)Expand كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)
احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)Expand احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)
الوصية الإلهية السياسيةالوصية الإلهية السياسيةExpand الوصية الإلهية السياسية
اشعار حول الامام اشعار حول الامام Expand اشعار حول الامام