نهضة عاشوراء                 


نهضة عاشوراء

 

ــ المقدمة

الباب الأول

ــ ثلاث خطب في شأن محرم وعاشوراء

1ــ حديث الإمام في جمع من علماء غرب طهران بتاريخ 21/9/1979

2ــ حديث الإمام مع علماء ووعّاظ قم وطهران بتاريخ 21/6/1986

3ــ خطاب الإمام (س) في جمع من خطباء وعلماء قم وطهران وآذربيجان الشرقية والغربية بتاريخ 17/10/1982

الباب الثاني

المدخل

ــ محرّم، صرح الشهادة الدامي

ــ محرم وصفر هما اللذان حفظا الإسلام حيّاً

الفصل الأول

ــ علل وأسباب نهضة عاشوراء

ــ أهداف نهضة عاشوراء

ــ شهداء كربلاء والاختيار الواعي

ــ آثار ونتائج نهضة أبي عبدالله (عليه السلام)

ــ نهضة عاشوراء، قدوة الأحرار

الفصل الثاني

ــ فلسفة العزاء والمآتم الحسينية

ــ أهمية المآتم الحسينية ودورها في إحياء معالم الدين وترسيخ مدرسة سيد الشهداء (عليه السلام)

ــ دور العزاء الحسيني في حفظ العباد والبلاد

ــ الاحتفاء بذكرى نهضة عاشوراء من الشعائر الإلهية

ــ وصايا للخطباء وقُرّاء المراثي وجموع المعزين

ــ شذرات من توجيهات سماحة الإمام (س) بشأن محرم ونهضة كربلاء

 

 

 

 

نهضة عاشوراء

للإمام الخميني (قدس سرّه)

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام على حامل راية مدرسة الشهادة

السلام على المظلوم على مدى التاريخ

السلام على الحسين وأصحابه

والسلام على أبناء عاشوراء الصادقين الخميني وأنصاره

ما نقدمه للقارئ الكريم في هذه المجموعة الجديدة عبارة عن كلمات قالها رجل عظيم المنزلة كان المثل الأعلى في التأسي بسيد الشهداء عليه السلام، رجلٌ حمل مشعل الشهادة في ليل الظلم الحالك، ناشراً ألوية الثورة ومزيلاً وصمة عار الخنوع والذلة عن الجبين الناصع لروّاد التشيع الحسيني الدامي، ومعلماً كمستضعفي الأرض ومحروميها من جديد شعاري "إحدى الحسنيين" و "انتصار الدم على السيف" في عصر سادته قوى حكمت الشعوب بالحديد والنار.

وبالنتيجة وبفضل تظافر الجهود وتشابك الأيدي التي لم تفارق اللطم على الصدور في مآتم الحسين قروناً من الزمن وبفضل القلوب التي طفحت بعشق الحسين ونبضت بذكره، والضمائر التي احتفظت بذكرى واقعة الطف الدامية والعيون التي ذرفت بدل الدموع دماً وجيلاً بعد جيل، ثم إسقاط يزيد الزمان.

فليحي ذكره خالداً في الضمائر إلى الأبد، فهو الذي يشهد بحقيقة: "إنّ كل ما لدينا من محرم وعاشوراء".

نأمل أن يصون عشاق المنهج الحسيني وسالكوه طريق الخميني، فخر السبق والتصدي لطليعة النهضة والاقتداء بسيد الأحرار، وأن يرابطوا ويقاوموا دفاعاً عن الثورة الإسلامية بالحفاظ على حضورهم المبارك في قلعة الولاية الحصينة، وأن يكونوا الحفظة الأمناء لنظام الجمهورية الإسلامية؛ تلك الوديعة الإلهية النفيسة، حتى ظهور المصلح العالمي والمنتقم الموعود (عجّل الله تعالى فرجه) إن شاء الله تعالى.

مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني (س)

الشؤون الدولية

 

الباب الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

ثلاث خطب في شأن محرم وعاشوراء

1ــ حديث الإمام في جمع من علماء غرب طهران بتاريخ 21/9/1979

إن الذي صان الإسلام وأبقاه حياً حتى وصل إلينا نحن المجتمعين هنا هو الإمام الحسين (عليه السلام) الذي ضحى بكل ما يملك وقدم الغالي والنفيس، وضحى بالشباب والأصحاب من أهله وأنصاره في سبيل الله عز وجل، ونهض من أجل رفعة الإسلام، ومعارضة الظلم.

لقد ثار الحسين (عليه السلام) بوجه تلك الامبراطورية التي كانت أقوى الامبراطوريات القائمة آنذاك في هذه المنطقة، بعدد قليل من الأنصار[1]. فانتصر وكان الغالب رغم استشهاده هو وجميع من معه.

ونحن السائرون على نهجه والمقتفون لآثاره، والمقيمون لمجالس العزاء التي أمرنا بها الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)[2] وأئمة الهدى (عليهم السلام) إنما نكرر عين ما كان، ونقول ما كان يقوله الإمام ويروم تحقيقه، ألا وهو مكافحة الظلم والظالمين.

ونحن وخطباؤنا إنما سعينا لإبقاء قضية كربلاء[3] حية، قضية مواجهة الثلة المؤمنة القليلة لنظام طاغوتي متجبر، ونهوضها بوجهه مستمرة متواصلة.

إن البكاء على الشهيد يُعدُّ إبقاءً على اتقاد جذوة الثورة وتأججها، وما ورد في الروايات مِن أن مَن بكى أو تباكي أو تظاهر بالحزن فإن أجره الجنة، إنما يفسر بكون هذا الشخص يساهم في صيانة نهضة الإمام الحسين (سلام الله عليه).

قد حفظت هذه المآتم شعبنا وصانته، ولم يكن عبثاً أن ضيق جلاوزة رضا خان على إقامة هذه المجالس، كذلك فإن رضا خان[4] لم يكن ليبادر هو بنفسه إلى معارضة إقامة هذه المجالس، بل انّه كان ينفذ توجيهات وأوامر أولئك الخبراء الذين كانوا يعدون الدراسات ويرصدون هذه الأمور. فأعداؤنا كانوا قد درسوا أوضاع الشعوب، وأمعنوا النظر في أحوال الشيعة فتوصلوا إلى حقيقة عدم تمكنهم من بلوغ غاياتهم وتحقيق مقاصدهم الخبيثة ما دامت هذه المجالس موجودة، وما دامت هذه المراثي تقرأ بحق المظلوم، وما دام يجري من خلالها فضح الظالم وممارساته، ولذلك فقد ضيقوا الخناق في عهد رضا خان على إقامة المواكب والمجالس الحسينية في إيران، وصدّوا من حرية الخطباء والعلماء في ارتقاء المنبر وممارسة الخطابة والتبليغ، وشنوا حملة تبليغ شعواء، فأعادونا القهقرى ونهبوا كل ثرواتنا.

وفي زمن الملك محمد رضا[5] مارسوا الدور ذاته ولكن بأسلوب آخر يختلف عن أسلوب الجبر والإكراه، فقد أرادوا إخراج هذه الفئة من الميدان، أمّا الآن فالقصد هو ذاته الذي أريد تحقيقه في عهد رضا خان والذي أريد منه الحد من تأثير المجالس الحسينية.

فقد ظهرت الآن فئة تقول: لنترك المجالس وقراءة المراثي، إنهم يجهلون أبعاد ومرامي المجالس الحسينية، ولا يعلمون أن ثورتنا هي امتداد لنهضة الحسين (عليه السلام) وإنها تبعٌ لتلك النهضة وشعاع من أشعتها، إنهم لا يعون أن البكاء على الحسين يعني أحياءً لنهضته وإحياء لقضية إمكانية نهوض ثلة قليلة بوجه امبراطورية كبرى، إن هذه القضية منهج حي لكل زمان ومكان، فــ "كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء"[6] منهج يعني أن علينا أن نستمر في الثورة والقيام والنهوض امتداداً لتلك النهضة في كل مكان وفي كل يوم وطبقاً لهذا المنهج فالإمام الحسين ثار بعدد قليل وضحى في سبيل الإسلام بكل شيء واقفاً بوجه امبراطورية كبرى ليقول "لا".

فلا يتصور أبناؤنا وشبّاننا أن القضية بكاء شعب لا غير ! وأننا (شعبٌ بكّاء) ! على ما يريد الآخرون أن يوحوا لكم به، إنهم يخافون من هذا البكاء بالذات. لأنّه بكاء على المظلوم، وصرخة بوجه الظالم، وهذه المواكب التي تجوب الشوارع للعزاء إنما تواجه الظلم وتتحدى الظالمين، وهو ما ينبغي المحافظة عليه، إنها شعائرنا الدينية التي ينبغي أن تصان وهي شعائر سياسية يلزم التمسك بها. حذار من أن يخدعنكم هؤلاء الكتّاب الذين يهدفون إلى تجريدكم من كل شيء وذلك تحت أسماء ومرامي منحرفة مختلفة. فهم يرون أن مجالس العزاء هذه وذكر مصائب المظلوم وجرائم الظالم في كل عصر إنما تدفع إلى الوقوف بوجه الظالم.

إن هؤلاء الذين يطالبوننا بالكف عن المآتم والمجالس الحسينية لا يعلمون أن هؤلاء المقيمين لهذه الشعائر إنما يقدمون لهذا البلد وللإسلام أسمى الخدمات، وعلى شباننا أن لا ينخدعوا بتخرصات هؤلاء وادعاءاتهم، إنهم ــ أيها الشبان ــ أناسٌ خونة، هؤلاء الذين يوحون إليكم بأنكم "شعب بكّاء" فأسيادهم وكبراؤهم يخشون هذا البكاء، والدليل على ذلك أن رضا خان أقدم على منع كل تلك المواكب والمآتم وكان مأموراً بذلك[7]، فبريطانيا صرحت عبر إذاعة نيودلهي بأنها هي التي جاءت برضا خان إلى السلطة وإنها هي التي أزاحته، وحقا ما قالته بريطانيا، فقد جاءوا به للقضاء على الإسلام، وكان أحد أساليبه هو منعكم من إقامة هذه المجالس، فينبغي أن لا يتصور شباننا بأنهم يقدمون خدمة عندما يغادرون المجلس حينما يتعرض الخطيب لذكر المصيبة، هذا تصرف خاطئ جداً، ينبغي أن تستمر المجالس بإقامة العزاء، ينبغي أن تذكر المظالم كي يفهم الناس ماذا جرى، بل أن هذا يجب أن يقام كل يوم، فأن لذلك أبعاداً سياسية واجتماعية غاية في الأهمية.

 

2ــ حديث الإمام مع علماء ووعّاظ قم وطهران بتاريخ 21/6/1986

إن ما أود أن أعرضه على السادة الخطباء هنا هو أن قيمة العمل الذي يقومون به ومدى أهمية مجالس العزاء لم تدرك إلا قليلاً، ولربما لم تدرك بالمرة فالروايات التي تقول إن كل دمعة تذرف لمصاب الحسين (عليه السلام) لها من الثواب كذا وكذا، وتلك الروايات التي تؤكد أن ثواب من بكى أو تباكى... لم تكن من باب أن سيد المظلومين (عليه السلام) بحاجة إلى مثل هذا العمل، ولا لغرض أن ينالوا هم وسائر المسلمين هذا الأجر و الثواب بالرغم من أنّه محرزٌ ولاشك فيه حتماً، ولكن لِمَ جُعِلَ هذا الثواب العظيم لمجالس العزاء؟ ولماذا يجزي الله تبارك وتعالى من بكى أو تباكى بمثل هذا الثواب والجزاء العظيم؟.

إن ذلك يتضح تدريجياً من ناحيته السياسية وسيُعرف أكثر فيما بعد إن شاء الله، إن هذا الثواب المخصص للبكاء ومجالس العزاء، إنما يُعطى ــ علاوة على الناحية العبادية والمعنوية ــ على الناحية السياسية، فهناك مغزى سياسي لهذه المجالس.

لقد قيلت هذه الروايات في وقت كانت هذه الفرقة الناجية مبتلاة بالحكم الأموي[8] وأكثر منه بالحكم العباسي[9]، وكانت فئة قليلة مستضعفة تواجه قوى كبرى.

لذا وبهدف بناء هذه الأقلية وتحويلها إلى حركة متجانسة، اختطوا لها طريقاً بناءً، وتمَّ ربطها بمنابع الوحي، وبيت النبوة وأئمة الهدى (عليهم السلام)، فراحوا يخبرونهم بعظمة هذه المجالس واستحقاق الدموع التي تذرف فيها الثواب الجزيل مما جمع الشيعة ــ على الرغم من كونهم آنذاك أقلية مستضعفة ــ في تجمعات مذهبية ولربما لم يكن الكثير منهم يعرف حقيقة الأمر، ولكن الهدف كان بناء هيكل هذه الأقلية في مقابل الأكثرية.

وطوال التأريخ، كانت مجالس العزاء ــ هذه الوسائل التنظيمية ــ منتشرة في أرجاء البلدان الإسلامية، وفي إيران التي صارت مهداً للإسلام والتشيع أخذت هذه المجالس تتحول إلى وسيلة لمواجهة الحكومات التي توالت على سدة الحكم ساعية لاستئصال الإسلام وقلعه من جذوره، والقضاء على العلماء، فهذه المجالس والمواكب هي التي تمكنت من الوقوف بوجهها وإخافتها.

في المرة الأولى التي اعتقلتني سلطات النظام الملكي[10] وجيء بي من قم إلى طهران قال لي بعض رجال أمنهم الذين اصطحبوني في السيارة: لقد جئنا لإلقاء القبض عليك والخشية تملؤنا من أن يطلع على أمرنا أولئك الموجودون في تلك الخيم والتكايا بمدينة قم فنعجز حينذاك عن أداء مهمتنا. وخوف هؤلاء ليس بشيء، لكن القوى الكبرى تخشى هذه المواكب والمآتم، القوى الكبرى تخشى هذا التنظيم الذي لا يستند إلى يد واحدة تحركه، فالشعب يجتمع في هذه المجالس طواعيةً، وتنعقد هذه المجالس في كل أنحاء البلاد، في بلد مترامي الأطراف في أيام عاشوراء وخلال شهري محرم وصفر وفي شهر رمضان المبارك فهذه المواكب والمآتم هي التي تجمع الناس.

وإذا كان هناك موضوع يراد منه خدمة الإسلام وإن أراد امرؤ أن يتحدث عن قضية معينة نرى أن ذلك يتسنى له في كل أنحاء البلد بواسطة هؤلاء الخطباء وأئمة الجمعة والجماعة فينتشر الموضوع المراد تبليغه للناس مرة واحدة في جميع أنحاء البلاد. واجتماع الناس تحت هذا اللواء الإلهي، هذا اللواء الحسيني، هو الذي يؤدي إلى تعبئة الجماهير.

ولو أن القوى الكبرى عزمت على عقد مثل هذه التجمعات الجماهيرية الكبرى في البلدان التي تحكمها فإن ذلك يحتاج منها إلى أعمال ونشاطات وجهود كبرى تستغرق عدة أيام أو عشرات الأيام فهي مضطرة ولأجل عقد تجمع جماهيري في مدينة من المدن يضم مثلاً مائة ألف أو خمسين ألفاً إلى إنفاق مبالغ طائلة وبذل جهود جبارة، لجمع الناس وجعلهم يستمعون لحديث محدثهم.

ولكنكم ترون كيف أن هذه المجالس والمواكب التي ربطت الجماهير ببعضهم، هذه المآتم التي حركت الجماهير، يلتئم شملها من جميع الشرائع الاجتماعية المعزيّة بمجرد أن يحصل أمر يستدعي التجمع، وليس في مدينة واحدة بل في كل أنحاء البلاد، ودون الحاجة إلى بذل جهودٍ كبرى أو إعلام واسع النطاق.

إن الناس يجتمعون على كلمة واحدة لمجرد أنــهم يعتقدون أنــها خرجت من فم الحسين سيد الشهداء (سلام الله عليه). في الرواية الواردة عن أحد الأئمة (ولعله الإمام الباقر سلام الله عليه[11]، لا أذكر تماماً) يوصي (عليه السلام) أن يقام العزاء عليه ويرثى في منى[12] بعد وفاته، ليس ذلك لأن الأمام الباقر (سلام الله عليه) بحاجة إلى ذلك، أو أن هناك منفعة شخصية ستعود عليه (عليه السلام)، ولكن انظروا إلى الأثر السياسي لهذا الأمر، فعندما يأتي الناس من كل أنحاء العالم لأداء مراسم الحج، ويجلس من يندب الإمام الباقر (عليه السلام) ويقرأ المراثي بشأنه ويوضح جرائم مخالفيه ومن سقوه كأس الشهادة فإن ذلك يخلق أمواجاً من الغضب في كل أنحاء العالم، لكن البعض يستهينون بأهمية هذه المجالس.

قد يسمينا المتغربون بــ (الشعب البكاء)، ولعلّ البعض منا لا يتمكن من قبول أنّ دمعة واحدة لها كل هذا الثواب العظيم، لا يمكن إدراك عظمة الثواب المترتب على إقامة مجلس للعزاء، والجزاء المعد لقراءة الأدعية، والثواب المعد لمن يقرأ دعاء ذا سطرين مثلاً.

إن المهم في الأمر هو البعد السياسي لهذه الأدعية وهذه الشعائر، المهم هو ذلك التوجه إلى الله وتمركز أنظار الناس إلى نقطة واحدة وهدف واحد، وهذا هو الذي يعبئ الشعب باتجاه هدف وغاية إسلامية فمجلس العزاء لا يهدف للبكاء على سيد الشهداء (عليه السلام) والحصول على الأجر ــ وطبعا فإن هذا حاصل وموجود ــ الأهم من ذلك هو البعد السياسي الذي خطط له أئمتنا (عليهم السلام) في صدر الإسلام كي يدوم حتى النهاية وهو الاجتماع تحت لواء واحد وبهدف واحد، ولا يمكن لأي شيء آخر أن يحقق ذلك بالقدر الذي يفعله عزاء سيد الشهداء (عليه السلام).

كونوا على يقين من أنه لو لم تكن مواكب العزاء هذه موجودة ولو لم تكن المواكب والمراثي موجودة لما انطلقت انتفاضة 15 خرداد[13].

لم يكن لأية قدرة إمكانية تفجير انتفاضة (15 خرداد) سوى دم سيد الشهداء (عليه السلام)، كما ليس بإمكان أية قوة أن تحفظ هذا الشعب الذي هجمت عليه القوى العدوانية من كل حدبٍ وصوب وتآمرت عليه سوى مجالس العزاء هذه.

إن هذه المجالس التي تُذكر فيها مصائب سيد المظلومين (عليه السلام) وتظهر مظلومية ذلك المؤمن الذي ضحى بنفسه وبأولاده وأنصاره في سبيل الله، هي التي خرّجت أولئك الشبان الذين يتحرقون شوقاً للذهاب إلى الجبهات ويطلبون الشهادة ويفخرون بها، وتراهم يحزنون إذا هم لم يحصلوا عليها.

هذه المجالس هي التي خرّجت أمهات يفقدن أبناءهنّ ثم يقلن بأن لديهن غيرهم وأنهن مستعدات للتضحية بهم أيضاً.

إنها مجالس سيد الشهداء (عليه السلام) ومجالس الأدعية من دعاء كميل[14] وغيره، هي التي تصنع مثل هذه النماذج وتبنيها، وقد وضع الإسلام أساس ذلك منذ البداية وعلى هذه الركائز، وقدّر له أن يتقدم وبشق طريقة وفق هذا المنهج.

 ولو كان هؤلاء يعلمون حقيقة ويدركون أهمية هذه المجالس والمواكب وقيمة هذا البكاء على الحسين (عليه السلام) والأجر المعد له عند الله لما سمونا شعباً بكّاءً بل لقالوا عنا شعب الملاحم.

لو فهموا الآثار التي تركتها أدعية الإمام السجاد (عليه السلام)[15] وكيف أن بإمكانها تعبئة الجماهير وتحريكهم وهو (عليه السلام) الفاقد لتوّه كل أهل بيته في كربلاء والذي عاش في ظل حكومة مستبدة جائرة تفرض هيمنتها على كل شيء لما قالوا لنا ما جدوى هذه الأدعية. ولو أن مثقفينا أدركوا الأبعاد السياسية والاجتماعية لهذه المجالس والأدعية والأذكار لما قالوا: لِمَ تفعلون كل هذه الأمور وتتمسكون بها.

لو أن المتغربين والمثقفين وجميع ذوي القدرة والقوة اجتمعوا لما تمكنوا أن يفجروا انتفاضة كتلك التي حصلت في 15 خرداد [5 حزيران 1963] وإن من يمتلك هذه القدرة على صنع حدث كهذا هو من اجتمع الجميع تحت لوائه.

إننا نصرخ بأننا نريد (الجمهورية الإسلامية ونريد الإسلام، لأننا رأينا أن الشعب بأسره التفّ حول الجمهورية الإسلامية وحول اسم (الإسلامية) بالذات وفي سبيل الله، ولأننا رأينا أن الجماهير إنّما قامت في سبيل الله لأجل ذلك، ولأننا رأينا ما تتمتع به هذه الجمهورية الإسلامية من دعم من شعبنا ومن سائر الشعوب.

ليعلم شعبنا قيمة وأهمية هذه المجالس التي أبقت الشعوب حية، في أيام عاشوراء[16] بنسبة أكبر وفي سائر الأيام بدرجة أقل وبهذا الشكل الذي نراه، ولو كان المبهورون بالغرب يعرفون البعد السياسي لها، ولو كانوا يدّعون ــ حقاً ــ السعي لتحقيق مصالح الشعب والبلد لرغبوا هم فيها أيضاً ولبادروا إلى إقامتها.

إنني آمل أن تقام هذه المجالس بشكل أفضل وعلى نطاق أوسع. وإن للجميع بدءً من الخطباء وانتهاءً بقراء المراثي والقصائد دوراً وتأثيراً في ذلك، فإن ذلك الذي يقف أسفل المنبر ويقرأ بعض الرثاء، وذلك الذي يرتقي المنبر خطيباً، كلاهما له تأثيره ودوره الطبيعي وإن كان البعض لا يدركُ قيمة عمله، من حيث لا يشعر.

لقد بلغنا مرحلةً أقدمَ فيها شعبنا على صنع ثورة تفجرت فيه قوى معينة بطريقة قلَّ نظيرها في أي مكان، فقد كان هذا الشعب يعاني من التبعية في كل شؤونه، وكان النظام السابق قد عمل على سلبه كل شيء وتقديمه للأجانب حتى أفقد البلد شرفه الإنساني، ثم فجأة حصل الانفجار الشعبي الذي تمَّ ببركة هذه المجالس التي عمت البلد من أقصاه إلى أدناه، تجمع الناس وتوجهت أنظارهم إلى هدف واحد.

إن على السادة الخطباء وأئمة الجمعة والجماعة أن يوضحوا هذه الأمور للناس أكثر من وضوحها لي، لا يظنوا أننا مجرد "شعب بكّاء" فإننا شعب تمكن بواسطة هذا البكاء والعزاء من الإطاحة بنظام عمّر ألفين وخمسمائة عام.

3ــ خطاب الإمام (س) في جمع من خطباء وعلماء قم وطهران وآذربيجان الشرقية والغربية بتاريخ 17/10/1982

لقد ضحى شعبنا بأرواح أبنائه من الأطفال الخُدج وحتى الشيوخ في سبيل الله تبارك وتعالى، اقتداءً بسيد الشهداء (سلام الله عليه).

لقد عَلّم سيد الشهداء (عليه السلام) الجميع ماذا ينبغي عليهم عمله في مقابل الظلم والحكومات الجائرة. فرغم أنه كان يعلم منذ البداية أن عليه أن يضحي ــ في طريقه الذي سلكه ــ بجميع أنصاره وأهل بيته من أجل الإسلام، إلاّ أنه كان يعرف عاقبة هذا الطريق أيضاً.

ولولا نهضة الحسين (عليه السلام) تلك لتمكن يزيد[17] وأتباعه من عرض الإسلام مقلوباً للناس، فهم لم يكونوا يؤمنون بالإسلام منذ البداية، وكانوا يكنون الحسد والحقد لأولياء الإسلام.

لقد تمكن سيد الشهداء (عليه السلام) من خلال تضحيته تلك ــ وعلاوة على إلحاق الهزيمة بهم، وبعد زعزعة أركان حكومتهم أن أدرك الناس بعد برهة حقيقة المصيبة العظمى التي حلت بهم ــ إرشاد الجميع على مرّ التاريخ إلى الطريق الصائب الذي ينبغي أن يسلكوه.

لقد عَلّم (عليه السلام) الناس أن لا يخشوا قلة العدد، فالعدد ليس هو الأساس، بل الأصل والمهم هو النوعية، والمهم هو كيفية التصدي للأعداء والنضال ضدهم والمقاومة بوجههم، فهذا هو الموصل إلى الهدف. من الممكن أن يكون عدد الأفراد كبيراً إلاّ أنّ نوعياتهم ليست بالمستوى المطلوب، ومن الممكن أن يكون عددهم قليلاً لكنهم أقوياء أشداء وشامخو الرؤوس.

وهكذا بالنسبة لوضعنا، فلتكن القوى الكبرى الشرقية والغربية أعداء لثورتنا، ولتكتب جميع وسائل الإعلام العالمية ضد ثورتنا ولتلفق الأكاذيب، فإن الحقيقة واضحة وستظهر وستُعرف.

وعندما نهض الحسين (عليه السلام) واستشهد مظلوماً أطلق عليه البعض صفة (الخارجي) واتهموه بالمروق عن طاعة "حكومة الحق القائمة آنذاك"، لكن نور الله ساطع وسيبقى ساطعاً وسيمتلئ العالم بنوره.

ما هو واجبنا ونحن على أعتاب شهر محرم الحرام؟ وما هو تكليف العلماء والخطباء الكرام في هذا الشهر؟ وما هي وظيفة سائر شرائح الشعب وفئاته؟ لقد حدد سيد الشهداء (عليه السلام) وأنصاره وأهل بيته تكليفنا وهو التضحية في الميدان، والتبليغ في خارجه.

فنفس القيمة التي تمتلكها تضحية الحسين (عليه السلام) عند الله تبارك وتعالى ونفس الدور الذي لعبته في تأجيج نهضته تملكها ــ أو تقاربها ــ خطب السجاد (عليه السلام) وزينب (عليها السلام)[18] أيضاً... فتأثيرها يعادل أو يقرب من تأثير تضحية الحسين (عليه السلام) بدمه.

لقد أفهمنا سيد الشهداء (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، إنّ على النساء والرجال ألا يخافوا في مواجهة حكومة الجور. فقد وقفت زينب (سلام الله عليها) في مقابل يزيد ــ وفي مجلسه ــ وصرخت بوجهه وأهانته وأشبعته تحقيراً لم يتعرض له جميع بني أمية طُراً في حياتهم. كما أنها عليها السلام والسجاد (عليه السلام) تحدثا وخطبا في الناس أثناء الطريق وفي الكوفة والشام، فقد ارتقى الإمام السجاد ــ سلام الله عليه ــ المنبر وأوضح حقيقة وأكد أن الأمر ليس قياماً لأتباع الباطل بوجه أتباع الحق، وأشار إلى أن الأعداء قد شوّهوا سمعتهم وحاولوا أن يتهموا الحسين (عليه السلام) بالخروج على الحكومة القائمة وعلى خليفة رسول الله!! لقد أعلن الإمام السجاد (عليه السلام) الحقيقة بصراحة على رؤوس الأشهاد، وهكذا فعلت زينب (عليها السلام) أيضاً.

وهكذا هو الأمر اليوم في بلدنا، فسيد الشهداء (عليه السلام) قد حدد تكليفنا، فلا تخشوا من قلة العدد ولا من الاستشهاد في ميدان الحرب، فكلما عظم هدف الإنسان وسمت غايته كان عليه أن يتحمل المشاق أكثر بنفس النسبة، فنحن لم ندرك بعدُ جيدّاً حجم الانتصار الذي حققناه، وسيدرك العالم فيما بعد عظمة النصر الذي حققه الشعب الإيراني.

وبنفس العظمة التي يتميز بها هذا النصر والجهاد يكون حجم المصائب والتحديات. وينبغي أن لا نتوقع أن لا تمسنا القوى الكبرى ــ التي قطعنا أيديها عن بلدنا وسنقطعها إن شاء الله عن باقي دول المنطقة ــ بأي سوء أو أذى، وعلينا أن لا نتوقع بعد تحقيقنا لهذه الانتصارات أن نبقى نرفل بالسلامة كما كنا في السابق.

على جميع العلماء والخطباء وأئمة الجمعة والجماعة وكل مَن مِن شأنه الحديث مع الناس أن يوضحوا لهم كيف حصلت نهضة سيد الشهداء (عليه السلام) وحقيقة هذه النهضة وغايتها وقلة عدد الأنصار الذين خرجوا مع الحسين (عليه السلام) وما هي المصائب التي انطوت عليها تلك النهضة وكيف بلغت نهايتها وكيف أنها لن تنتهي.

إن علينا وعلى جميع الخطباء الالتفات إلى هذه النقطة وهي أنه لو لم تقع نهضة سيد الشهداء (عليه السلام) لما استطعنا نحن اليوم أن نحقق النصر، فوحدة الكلمة التي كانت السبب في انتصار ثورتنا تعود إلى مجالس العزاء، ففيها تم التبليغ للإسلام والترويج له.

لقد هيّأ سيد المظلومين (عليه السلام) للجماهير وسيلة مكنتها من عقد اجتماعاتها بسهولة ودون الحاجة إلى بذل جهود كبرى. والإسلام جعل من المساجد خنادق ووسائل، لأن هذه المساجد والتجمعات وصلوات الجمعة والجماعة هيأت جميع ما يراد لتحقيق ما فيه مصلحة الإسلام وما يقيض أسباب تقدم النهضة إلى الإمام، وخصوصاً مما تعلمناه من سيد الشهداء (عليه السلام) مما ينبغي عمله في ساحة الحرب وخارجها، وماذا يجب أن يعمله أولئك الذين يخوضون غمار الكفاح المسلح، وما هي واجبات المبلغين خلف جبهات القتال وكيف يقومون بذلك.

لقد تعلمنا من الحسين (عليه السلام) كيفية النضال والجهاد وكيفية المواجهة بين قلة من الناس وكثرة كاثرة، وكيفية الوقوف بوجه حكومة تعسفية جائرة تسيطر على كل مكان، كيف نقوم بذلك بعدد قليل... هذه أمور علّمها سيد الشهداء (عليه السلام) لأبناء شعبنا، كما أن نجله الإمام السجاد (عليه السلام) وسائر أهل بيته (عليهم السلام) علّمونا ماذا ينبغي عمله بعد وقوع المصيبة، هل ينبغي الاستسلام؟ هل يجب التخفيف والتقليل من النضال والجهاد؟ أم علينا أن نقتدي بزينب (سلام الله عليها) التي حلّ بها مصاب تصغر عنده المصائب فوقفت بوجه الكفر والزندقة وتكلمت وخطبت كلما تطلّب الموقف وأوضحت الحقائق، تماماً كما مارس الإمام علي بن الحسين دوره التبليغي رغم الذي كان يعاني منه.

إنكم أيها السادة العلماء وجميع العلماء الموجودين في أنحاء البلاد مكلفون بحفظ هذه النعمة الإلهية وهذه المنحة الربانية، مطالبون بشكر الله عليها، والشكر إنما يتحقق بممارسة التبليغ، بينوا للناس وأفهموهم ما فعله سيد الشهداء (عليه السلام) وما كان يريد تحقيقه والطريق الذي سلكه والنصر الذي تحقق له وللإسلام بعد شهادته، وضِّحوا لهم أن ما فعله سيد الشهداء (عليه السلام) هو الجهاد من أجل الإسلام، وأنه كان يعلم أنه لن يتمكن بما تهيأ له من عدد قليل يقل عن المائة شخص من التغلب على ذلك النظام الظالم الذي يملك كل شيء.

عليكم أن تمارسوا التبليغ، فها قد جاء شهر محرم وعليكم إحياؤه، فكل ما لدينا هو من محرم، ومن هذه المجالس. فحتى مجالس التبليغ تهيأت لنا هي الأخرى من شهر محرم وهي من ثمار مقتل سيد الشهداء (عليه السلام) واستشهاده.

ينبغي لنا أن ندرك أبعاد هذه الشهادة ونعي عمقها وتأثيرها في العالم ونلتفت إلى أن تأثيرها ما زال مشهوداً اليوم أيضاً. فلولا وجود مجالس الوعظ والخطابة والعزاء والاجتماعات هذه لما تمكن بلدنا من تحقيق النصر. لقد نهض الجميع تحت لواء الإمام الحسين (سلام الله عليه) وأنتم تشاهدون الآن كيف أن جند الإسلام ــ حينما يعرض التلفزيون صورهم ــ إنما يساهمون في الإبقاء على نشاط الجبهات من خلال حبهم للإمام الحسين (عليه السلام).

إن على المبلغين الأعزاء والعلماء والخطباء أن يبينوا للناس ــ خلال الاجتماعات والمجالس التي تعقد في شهري محرم وصفر ــ القضايا المعاصرة، أن يبينوا لهم القضايا السياسية والاجتماعية ويبينوا لهم تكليفهم في مثل هذا الوقت الذي نعاني فيه من كل هؤلاء الأعداء، وعليهم أن يُفهِموا الناس أننا ما زلنا في منتصف الطريق وأن علينا الاستمرار في المسيرة حتى النهاية إن شاء الله.

ولو بقي الوضع الحالي وبقي الحضور الفعال الذي سجله أفراد الشعب ــ ولله الحمد ــ في ساحة الأحداث، لو واصلنا السير على هذا المنوال فإننا سنتمكن في النهاية من تحقيق النصر المطلق ولكن علينا أن لا نتراخى أو نضعف.

عندما نهض شعبنا وثار أعلن منذ البداية أنه يريد إقامة الجمهورية الإسلامية والاستقلال الكامل وأنه يرفض الميل للشرق وللغرب وأعلن للعالم كله أننا لا نريد أن نكون تحت حماية أمريكا ولا في ظل حماية الاتحاد السوفيتي ولا غيرهما من القوى. نريد الاعتماد على رعاية الله تبارك وتعالى والسير تحت راية التوحيد التي هي راية الإمام الحسين (عليه السلام)، فلا شك أن العالم سيتحرك للوقوف بوجهكم عندما يرى أنكم أعلنتم ذلك.

إن عليكم أن تدركوا ذلك منذ البداية، فمثلما نهض الحسين (عليه السلام) وثار بوجه كل تلك الأعداد المدججة بالسلاح حتى استشهد، فعلينا نحن أيضاً أن نثور وأن نوطن أنفسنا للشهادة ونحن مستعدون لذلك.

وإنكم ترون كيف يعرب السادة الأجلاء من أئمة صلاة الجمعة وبكل رحابة صدر وطلاقة محيّا عن استعدادهم للبقاء في مواقعهم وأداء واجباتهم، وإن بلغ الأمر الشهادة التي نالها أقرانهم[19]، على الجميع أن يكونوا على هذه الحال.

 

الباب الثاني

المدخل

محرّم، صرح الشهادة الدامي

ها قد أطل شهر محرم، شهر الملاحم والشجاعة شهر انتصار الدم على السيف، الشهر الذي دحضت فيه قوة الحق زيف الباطل إلى الأبد ودمغت فيه جباه الجبابرة والظلمة والحكومات الشيطانية بوصمة لا تزول ولا تحول.

الشهر الذي علم كل الأجيال على مدى التاريخ نهج الانتصار على الحراب والأسنة، والشهر الذي شهد هزيمة القوى الكبرى مقابل كلمة الحق، والشهر الذي ينبغي أن تتغلب فيه القبضات المشدودة لعشاق الحرية والاستقلال والحق، على الدبابات والمدافع الرشاشة وجنود إبليس، وتمحو كلمة الحق فيه غبش الباطل.

*****

محرم هو الشهر الذي ثار فيه العدل بوجه الظلم، ونهض الحق ضد الباطل وأثبت أن الحق منتصر على الباطل.

*****

محرم هو الشهر الذي أحيى فيه الإسلام على يد سيد المجاهدين والمظلومين (عليه

السلام) وأنقذ من تآمر العناصر الفاسدة وحكم بني أمية، الذين أوصلوا الإسلام إلى حافة الهاوية.

لقد سقيت نبتة الإسلام منذ أول نشوئها بدماء الشهداء والمجاهدين، وآتت أكلها وأعطت ثمارها نتيجة ذلك.

*****

يعد شهر محرم ــ بالنسبة لمدرسة التشيع ــ الشهر الذي تحقق فيه النصر اعتماداً على التضحية والدماء.

*****

كم هو شهرٌ مليء بالمصائب شهر محرم، وكم هو شهر مفعم بالبناء والعنفوان ــ محرم شهر النهضة الكبرى لسيد الشهداء والأولياء (عليه السلام)، الذي علم الناس ــ بثورته بوجه الطاغوت ــ البناء والتسامي، وأوضح لهم أن فناء الظالم وتحطيم الجائر يمكن أن يتم من خلال الفداء والتضحية وتقديم القرابين، وهذه التضحية تأتي على رأس التعاليم الإسلامية التي تلقاها شعبنا إلى آخر الدهر.

*****

محرم وصفر هما اللذان حفظا الإسلام حيّاً

ينبغي أن نحيي محرم وصفر بذكر مصائب أهل البيت (عليهم السلام)، فبذكر مصائبهم بقي هذا الدين حياً حتى الآن.

*****

شهر محرم هو الشهر الذي يكون الناس فيه مستعدين للاستماع لكلمة الحق.

*****

والآن حيث يمثل شهر محرم سيفاً إلهياً في يد جند الإسلام والعلماء الكرام والخطباء المحترمين وشيعة سيد الشهداء (عليه السلام) الأجلاء ينبغي لهم تحقيق أقصى الاستفادة منه، وليقتلوا ــ وبالاتكال على القدرة الإلهية ــ بقايا جذور شجرة الظلم والجور، فشهر محرم شهر هزيمة القوى اليزيدية والحيل الشيطانية.

*****

الفصل الأول

علل وأسباب نهضة عاشوراء

في صدر الإسلام وبعد رحلة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) ــ مرسي أسس العدالة والحرية ــ أوشك الإسلام أن ينمحي ويتلاشى بسبب انحرافات بني أمية وكاد يسحق تحت أقدام الظالمين ويبتلع من قبل الجبابرة، فهب سيد الشهداء (عليه السلام) لتفجير نهضة عاشوراء العظيمة.

*****

لقد أوشكت حكومة يزيد وجلاوزته الجائرة أن تمحو الإسلام وتضيع جهود النبي (صلى الله عليه وآله) المضنية وجهود مسلمي صدر الإسلام ودماء الشهداء، وتلقي بها في زاوية النسيان، وتعمل ما من شأنه أن يضيع كل ذلك سدى.

*****

لقد كاد الدين الإسلامي يندثر ويتلاشى نتيجة انحرافات حثالات الجاهلية وخططهم الهادفة لإحياء الشعور الوطني والقومي برفعهم شعار "لا خبر جاء ولا وحي نزل"[20]، فقد عَمِلوا على تحويل حكومة العدل الإسلامي إلى حكم ملكي امبراطوري وعزل الإسلام والوحي وإزوائهما حتى نهض فجأة رجلٌ عظيم تغذى من عصارة الوحي الإلهي وتربى في أحضان سيد الرسل محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله) وسيد الأولياء على المرتضى (عليه السلام) وترعرع في أحضان الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فانتفض ثائراً ليصنع ــ ومن خلال تضحيته الفذة ونهضته الإلهية ــ أكبر ملحمة جهادية في التاريخ .

*****

لقد هدف بنو أمية للقضاء على الإسلام.

*****

لقد أوشك حكم بني أمية المنحط أن يظهر الإسلام بمظهر الحكم الطاغوتي ويشوه سمعة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وقد فعل معاوية وابنه الظالم الأفاعيل ضد الإسلام وارتكب ما لم يرتكبه جنكيز خان[21] ضد إيران، فقد بدلا أساس عقيدة الوحي ومعالمها إلى نظام شيطاني.

لقد رأى سيد الشهداء (سلام الله عليه) أن معاوية وابنه ــ لعنة الله عليهما ــ يعملان على هدم الدين وتقويض أركانه، وتشويه الإسلام وطمس معالمه، لقد جاء الإسلام ليقوّم سلوك الإنسان، ولم يأتِ لكي يستحوذ على السلطة، بل ليعد الإنسان ويبنيه.

لقد حاول ذلك الأب والابن[22] [أي معاوية وابنه يزيد] طمس معالم الدين وتشويه صورته الناصعة مثلما عمل هذا الأب والابن [رضا خان وابنه محمد رضا آخر ملكين حكما إيران] بالنهج نفسه، فمعاوية وابنه كانا يشربان الخمر، ويؤمان المصلين أيضاً، وكان مجلساهما من مجالس اللهو واللعب والطرب تمارس فيهما كل الانحرافات، ثم تقام بعده صلاة الجماعة، فيتقدمان هما لإمامة تلك الجماعة، تصوروا لاعب ميسر يصبح إمام جماعة، كانا يتوليان إمامة الجماعة، وكانا يؤمان الجمعة ويرتقيان منبر الخطابة فقد كانا خطيبين يتحركان ضد رسول الله (صلى الله عليه وآله) باسم خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

يرفعان عقيرتهما بنداء (لا إله إلاّ الله) لكنهما يقفان بوجه الألوهية، لقد كانت ممارساتهما وأعمالهما شيطانية في حين أنهما كانا يدّعيان أنهما خلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله).

****

لقد كان يزيد هو الآخر حاكماً جائراً، يتمتع بكل مظاهر السلطنة، وجاء بعد معاوية طبعاً. فبأي حجة قام سيد الشهداء (عليه السلام) ضد سلطان عصره؟ وبأي دليل ثار على من كان يعد نفسه (ظل الله)[23].

ولما كان من غير المناسب مس السلطان، فلماذا ثار ضد سلطان عصره؟ ألم يكن سلطان عصره ينطق بالشهادتين ويقول إني خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله). لقد ثار الحسين (عليه السلام) بوجه لأنّه كان شخصاً سيئاً، يريد أن يستغل الشعب ويأتي على ثرواته وينهب خيراته، ويستولي عليها هو وجلاوزته.

*****

إن نظام السلطنة وولاية العهد هو نفس ذلك النمط المشئوم من الحكومة التي ضحى سيد الشهداء (عليه السلام) واستشهد من أجل الحيلولة دون استمرار بقائه، ولما لم يكن يرغب في الخضوع لولاية العهد التي أسندت ليزيد ولم يرغب الاعتراف رسمياً بسلطنته، فقد قام وثار ودعا المسلمين إلى القيام والثورة، فهذه الأمور (السلطنة وولاية العهد) ليست من الإسلام، ليس في الإسلام سلطنة وولاية عهد.

*****

إن الخطر الذي كان يمثله معاوية ويزيد ضد الإسلام لم ينحصر في كونهما غاصبين للخلافة، فهو أهون من الخطر الأكبر الآخر وهو أنهما حاولا جعل الإسلام عبارة عن سلطنة وملكية وأرادا أن يحولا الأمور المعنوية إلى طاغوت، ومحاولتهما ــ وبذريعة أنهما خلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ــ قلب حقيقة الإسلام إلى نظام طاغوتي. لقد كان هذا الأمر مهماً لدرجة أن من سبقوهم لم يضاهوهم في إلحاق الضرر بالإسلام ولم يبلغوا ما بلغاه. فقد حاولا قلب حقيقة الإسلام. فقد امتلأت مجالسهم بشرب الخمر ولعب القمار.

كان الواحد منهم يزعم أنه خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويشرب الخمر في مجلسه ويلعب القمار! ثم يبقى خليفةً لرسول الله (ص) ويتوجه إلى الصلاة ويؤم صلاة الجامعة. إن هذا خطر كبير واجه الإسلام مما دفع سيد الشهداء (عليه السلام) للقيام لرفضه.

لم تكن القضية قضية غصب الخلافة فحسب، لقد كان قيام سيد الشهداء (سلام الله عليه) وثورته قياماً ضد السلطة الطاغوتية... تلك السلطنة التي كانت تريد أن تصبغ الإسلام بصبغة أخرى ولو أنها نجحت في تلك لأصبح الإسلام شيئاً آخر تماماً، ولصار مثل النظام الامبراطوري الذي كان قائما لألفين وخمسمائة عام[24][في ايران].

إنهم أرادوا مواجهة الإسلام الذي جاء للقضاء على النظام الملكي وإزالة حكم السلاطين وإقامة الحكم الإلهي في العالم، وتحطيم الطاغوت. أرادوا أن يعيدوا عبادة الطاغوت ونفس الأوضاع التي كانت سائدة في الجاهلية.

إن شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن هزيمة، فثورة سيد الشهداء (سلام الله عليه) كانت قياماً لله، وليس في القيام من أجل الله أية هزيمة.

كان بنو أمية يريدون القضاء على الإسلام من الأساس وقلع جذوره وإقامة حكم عربي سلطوي. غير أن ثورة سيد الشهداء (عليه السلام) أفهمت العرب والعجم جميعاً ونبهت المسلمين كلهم إلى أن القضية ليست قضية عرب وعجم إنما هي: الله والإسلام.

*****

عندما رأى سيد الشهداء (عليه السلام) إن هؤلاء يلوثون بأعمالهم سمعة الإسلام ويشوهون صورته باسم خلافة الرسول ويرتكبون المعاصي ويحكمون بالظلم والجور، وأن انعكاس ذلك على الصعيد العالمي هو أن خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمارس هذه الأعمال، رأى من واجبه أن ينهض ويثور حتى لو أدى الأمر إلى مقتله، المهم هو إزالة ما تركه معاوية وابنه من آثار على الإسلام.

*****

لقد تحرك سيد الشهداء (عليه السلام) مع عدد قليل من الأنصار وثار بوجه يزيد الذي كان حاكماً متجبراً يرأس حكومةً غاشمة جائرة، ويتظاهر بالإسلام ويستغل قرابته وصلته العائلية[25] بالإمام (عليه السلام). قد كان رغم تظاهره بالإسلام وزعمه أن حكومته حكومة إسلامية وأنه خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان امرءاً ظالماً يهيمن على مقدرات بلدٍ دون حق. لذا فإن الإمام أبا عبدالله الحسين (عليه السلام) ثار بوجهه مع قله الأنصار لأنّه رأى أن واجبه وتكليفه يقتضي ذلك، وأنّ عليه أن يستنكر ما يحدث وأن ينهى عن المنكر.

*****

عندما يرى سيد الشهداء (سلام الله عليه) أن حاكماً ظالماً يحكم في الناس بالجور والعدوان فإنه يقول: من رأى حاكماً جائراً يحكم في الناس بالظلم والجور فعليه أن يقوم بوجهه ويمنعه من الظلم بمقدار ما يستطيع ولو كان معه بضعة أنصار فقط يقفون بوجه ذلك الحاكم ذي الجيش العظيم الجرار.

*****

لما أراد الحسين (عليه السلام) أن يثور خطب في الناس خطبة أوضح فيها أسباب الثورة[26] وأسقط عذر من يتذرع.

قال أبو مخنف عن عقبة بن أبي العيزار: إن الحسين خطب أصحابه وأصحاب الحر بالبيضة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله".

فلننظر ماذا فعل يزيد ليثور سيد الشهداء (عليه السلام) ضده ويصفه بما وصفه وسلك ذلك النهج، فالموضوع الذي تكلم به الإمام سيد الشهداء (عليه السلام) يخص الجميع، فهو يقول: (من رأى) يعني كل من رأى وعاصر سلطاناً جائراً يتصف بتلك الصفات وبقي ساكتاً أمامه لا يعارضه بقول ولا فعل فإن مصيره ومآله هو ذات مصير ومآل ذلك السلطان الجائر.

لقد كان يزيد امرءً متشبثاً ــ حسب الظاهر ــ بالإسلام ويعد نفسه خليفة لرسول الله (ص) ويؤدي الصلاة أيضاً، ويمارس كل ما نمارسه نحن، ولكن ماذا ارتكب غير ذلك؟ إنه يقترف المعاصي ويخالف سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله). وكان يخالف أسلوب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في معاملة المسلمين وصيانة دمائهم وحفظ أموالهم، فهو يسفك الدماء ويهدر الأموال ويبذرها، وهي ذات الأفعال التي كان يقوم بها أبوه معاوية والتي دعت أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى معارضته، كل ما في الأمر أن الإمام علياً (عليه السلام) كان يمتلك جيشاً في حين لم يمتلك الحسين (عليه السلام) سوى عدد قليل في مقابل حكومة مقتدرة.

*****

إن عظماء الإسلام قد ضحوا بأرواحهم عندما رأوا الخطر محدقاً بالإسلام وأن سمعته تكاد تُشَوّه فقد حاول معاوية وابنه يزيد تشويه سمعة الإسلام وتقبيح صورته باسم الخلافة على المسلمين، فقد ارتكبوا باسم خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله) تلك الجرائم، وعقدوا تلك المجالس.

وهنا اقتضى التكليف أن ينهض عظماء الإسلام بمهمة المعارضة والمجاهدة وإزالة التشويه الذي يوشك أن يلحقه هؤلاء بسمعة ومكانة الإسلام وما يمكن أن يشتبه المغفلون في إدراكه وهو كون أن هذا هو الإسلام وأن الخلافة هي هذه التي يتظاهر بها معاوية وابنه يزيد، الأمر الذي يتهدد الإسلام بالخطر، وهذا ما يجب على الإنسان أن يندفع عنده للمجاهدة حتى لو أدى إلى التضحية بالنفس.

*****

أهداف نهضة عاشوراء

لقد بُعِثَ الأنبياء لإصلاح المجتمع، وكلهم كانوا يؤكدون أنه ينبغي التضحية بالفرد من أجل المجتمع مهما كان الفرد عظيماً، وحتى لو كان الفرد أعظم من في الأرض، فإذا اقتضت مصلحة المجتمع التضحية بهذا الفرد، فعليه أن يضحي. وعلى هذا الأساس نهض سيد الشهداء (عليه السلام) وضحى بنفسه وأصحابه وأنصاره، فالفرد يُفدى في سبيل المجتمع، فإذا اقتضت مصلحة المجتمع وتوقف إصلاح المجتمع على تضحية وجب التضحية، إن العدالة ينبغي أن تحقق بين الناس {ليقوم الناس بالقسط}[27].

كان هدف الإمام الحسين (عليه السلام) من الاستشهاد إقامة العدل الإلهي وصيانة بيت الله الحرام.

*****

إن حياة سيد الشهداء (عليه السلام) وحياة الإمام المهدي صاحب الزمان (سلام الله عليه) وجميع الأنبياء من آدم (عليه السلام) حتى الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله) كانت تدور حول محور إرساء وإقامة حكومة العدل في مقابل الظلم.

*****

لقد أعلن سيد الشهداء (عليه السلام) بصراحة أن هدفه من قيامه هو إقامة العدل، فالمعروف لا يعمل به والمنكر لا يتناهى عنه[28]، لذا فهو يريد إقامة المعروف ومحو المنكر، فجميع الانحرافات منشؤها من المنكر، وما عدا خط التوحيد المستقيم فكل ما في العالم منكرات، ويجب أن تزول.

ونحن الموالون لسيد الشهداء (عليه السلام) السائرون على نهجه ينبغي أن ننظر في حياته، وفي قيامه، الذي كان الدافع إليه النهي عن المنكر ومحوه، ومن المنكر حكومة الجور، وهي يجب أن تزول.

*****

لقد ضحى سيد الشهداء (عليه السلام) بكل حياته من أجل إزالة المنكر ومحوه ومكافحة حكومة الظلم والحيلولة دون المفاسد التي أوجدتها الحكومات المنحرفة في العالم، كما سعى بجدٍ للإطاحة بحكومة الجور وإزالتها ونشر المعروف والنهي عن المنكر.

*****

لقد ضحى سيد الشهداء (عليه السلام) بكل ما يملك وضحى بنفسه وأطفاله وبكل شيء وكان يعلم أن الأمر سيؤول إلى ما آل إليه، وإذا رجعنا إلى أقواله وتصريحاته وهو يهمُّ بمغادرة المدينة إلى مكة وعندما خرج من مكة إلى كربلاء سنجد أنه بصير بما كان يفعل.

لم يكن يريد أن يجرب ويجازف في تحركه ليعلم هل ينجح أم لا، بل إنّه كان قد تحرك ليتسلم زمام الحكومة، وهذا مبعث فخر له ومدعاة افتخار، والذين يتصورون أن سيد الشهداء (عليه السلام) لم ينهض لأخذ زمام الحكم فهم مخطئون، فسيد الشهداء (عليه السلام) إنما جاء وخرج مع صحبه لتسلم الحكم لأن الحكومة يجب أن تكون لأمثال سيد الشهداء (عليه السلام) وأمثال شيعته.

*****

لقد رأى سيد الشهداء (عليه السلام) إن الدين يوشك أن ينمحي، وقضية قيام سيد الشهداء (عليه السلام) بوجه يزيد وقيام أمير المؤمنين (عليه السلام) ضد معاوية، وقيام الأنبياء (عليهم السلام) بوجه المتسلطين والكفار لم تكن قضية سيطرة وتحكم أو طلب سلطة ورئاسة، فالعلم كله ليس له أية قيمة بنظرهم، وليس همهم طلب الرئاسة والرغبة في السلطة وفتح البلدان للسيطرة عليها.

*****

إن ما أوصل سيد الشهداء (عليه السلام) إلى ذلك المصير هو الدين والعقيدة، وقد ضحى (سلام الله عليه) بكل شيء من أجل العقيدة والإيمان، وكانت النتيجة أن قتل وهَزمَ عدوه بدمه.

*****

لقد ثار سيد الشهداء (عليه السلام) ضد يزيد وربما لم يكن متيقناً من أنه سيتمكن من الإطاحة بيزيد وإزاحته عن السلطة وتــحدثنا الروايات الواردة عنه (عليه السلام) بأنه كان مطلعاً على هذا الأمر[29]، لكنه في الوقت ذاته قرر النهوض والثورة ضد نظام ظالم حتى لو أدى ذلك إلى مقتله، وفعلاً تحرك وقام بوجه النظام الظالم وقدم الضحايا وقتل من قتل من أعدائه وقُتل هو بعد ذلك.

لقد كان الحسين (عليه السلام) يفكر بمستقبل الإسلام والمسلمين باعتبار أن الإسلام سينتشر بين الناس نتيجة لتضحياته ولجهاده المقدس وأن نظامه السياسي والاجتماعي سيقام في مجتمعنا، فرفع لواء المعارضة والنضال والتضحية.

*****

لقد رأى سيد الشهداء (عليه السلام) أن تكليفه يقتضي أن يقاوم تلك السلطة ويقتل لكي يُغيِّر الأوضاع السائدة آنذاك ولكي يفضح تلك السلطة من خلال تضحيته وتضحيات أنصاره الذين كانوا معه. لقد رأى أن حكومةً جائرةً قد هيمنت على مقدرات الدولة وأن التكليف الإلهي يقتضي منه أن ينهض ويتحرك ويرفع لواء المعارضة والاستنكار مهما كلفه ذلك ــ ومع أنه كان يعلم وطبقاً للقواعد المتعارفة ــ بأن مثل هذا العدد القليل لا يمكنه مواجهة ذلك الجيش الجرار إلاّ أن التكليف كان يقتضي بتلك النهضة.

*****

كان التكليف يوجب على سيد الشهداء (عليه السلام)، أن يقوم ويثور ويضحي بدمه كي يصلح هذه الأمة، ويهزم راية يزيد، وهذا ما فعله وأنــجز ما كان يريد. لقد ضحى بدمه ودماء أبنائه وكل شيءٍ من أجل الإسلام.

*****

لم تكن لدى الإمام الحسين (عليه السلام) قوة تذكر ومع ذلك نهض وثار، ولو كان ــ والعياذ بالله ــ كسولاً لكان بإمكانه الجلوس والانزواء جانباً والادعاء بأن هذا ليس واجبه الشرعي وأن تكليفه الشرعي لا يحتم عليه الثورة، لو أن هذا هو الذي كان حصل لفرح البلاط الأموي، فالبلاط الأموي يسعده كثيراً بأن يلجأ سيد الشهداء (عليه السلام) إلى القعود والسكوت وتركهم ليفعلوا ما يحلو لهم.

إلاّ أنّه (عليه السلام) بعث مسلم بن عقيل[30] يدعو الناس إلى مبايعته لكي يقيم حكومة إسلامية ويقضي على تلك الحكومة الفاسدة. ولو أنه كان قد جلس في مكانه ولم يغادر المدينة ورضي بمبايعة والي يزيد التافه على المدينة ــ والعياذ بالله ــ لفرح بنو أمية وابتهجوا ولقبلوا يديه.

*****

لقد ضحى سيد الشهداء بنفسه من أجل الإسلام.

*****

لقد ضحى سيد الشهداء (سلام الله عليه) بجميع أصحابه وشُبّانه وبكل ما يملكه، في سبيل الله ولتقوية الإسلام ومكافحة الظلم، ومعارضة الامبراطورية التي كانت قائمة آنذاك وهي أكبر من الامبراطوريات الموجودة الآن.

*****

وقد قتل سيد الشهداء (عليه السلام)، ولم يكن طامعاً في الثواب، فهو (عليه السلام) لم يُعِرْ هذا الأمر كثير الاهتمام، لقد كانت نهضته لإنقاذ الدين ولإحياء الإسلام ودفع عجلته إلى الأمام.

*****

لقد تعرض النبي (صلى الله عليه وآله) في بعض الحروب للهزيمة العسكرية، وكذا أمير المؤمنين (عليه السلام) في مقابل معاوية، كما أن سيد الشهداء (عليه السلام) قتل أيضاً، إلا أن مقتله كان طاعة منه وتقرباً لله وفي سبيل الله، وكل ما حصل كان مزيداً من السمو له (عليه السلام)، لذا فليس في الأمر هزيمة أو انكسار للإمام (عليه السلام)، كل ما كان هو نوع من الطاعة لله.

 

شهداء كربلاء والاختيار الواعي

كلما اقترب الإمام الحسين (سلام الله عليه) من الشهادة في يوم عاشوراء كان وجهه يزداد تألقاً[31]، وكان أصحابه يزدادون تلهفاً للاستشهاد، كان الجميع يعلمون أنهم مستشهدون بأجمعهم عما قريب، بل بعد سويعات ليس غير.

كانوا يتسابقون إلى الشهادة لأنهم كانوا يعون إلى ما هم منقلبون ويدركون إلى ماذا يستهدفون من المجيء، ويعلمون أنهم أتوا لأداء واجب الهي، ولصيانة الإسلام.

*****

إنكم تجدون في بعض الروايات أنه كلما اقترب ظهر يوم عاشوراء ازداد وجه الحسين بن علي (سلام الله عليه) تألقاً ونوراً، لأنه كان يرى أنه يجاهد في سبيل الله، لذا فهو لم يَعُدَّ فقدانه لأعزته خسارة، بل يعتبرهم ذخائر لعالم البقاء والخلود.

*****

ورد في الروايات أن الحسين (عليه السلام) رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المنام، فقال له إن في الجنة درجات لا تنالها إلاّ بالشهادة[32].

في تلك الظروف العصيبة سأل علي بن الحسين (سلام الله عليه) أباه ــ وهذا ما يذكره الخطباء وأهل المنبر تدليلاً على أن ما وقع كان مقدّراً ــ قال: أولسنا على الحق؟ فأجابه الإمام (عليه السلام): بلى، فقال علي بن الحسين: إذن لا نبالي بالموت أوقع علينا أم وقعنا عليه. ما دمنا على الحق[33].

 *****

 

عندما حل ظهر يوم عاشوراء ــ وكانت رحى الحرب دائرة والخطر محدقٌ بالجميع ــ قال أحد أصحاب الحسين (عليه السلام) للإمام: ها قد حلّ وقت الصلاة، فقال له الإمام (سلام الله عليه): ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلين الذاكرين. ثم وقف في مكانه وصلى[34].

لم يجبه بالقول: وهل هذا وقت صلاة فنحن نخوض غمار حرب طاحنة دامية، بل إنه رحب بذلك وبادر إلى الصلاة لأنها كانت هي هدفه من تلك الحرب.

*****

خذوا رضا الله وحده بنظر الاعتبار ــ دائماً ــ واعلموا أنكم عباد الله وعليكم أن ترضوا بقضائه كيفما كان، كما كان عباد الله الخلص وأولياء الله العظام.

فالروايات تقول بأن وجه الحسين (عليه السلام) كان يزداد تألقاً كلما اقترب ظهر يوم عاشوراء بالرغم من استشهاد أصحابه وأهل بيته الواحد تلو الآخر، لأنّه كان يرى بأنّه يزداد قرباً من غايته وهدفه.

*****

إن الشبان الأشاوس والمقاتلين الشجعان في الجيش والحرس وسائر القوات المسلحة هم أتباع شهيد خالد يقول عنه التاريخ أنه كان كلما استشهد واحد من أهل بيته وأنصاره تألق وجهه وازدادت فيه علائم الشجاعة وسمات العزيمة.

*****

آثار ونتائج نهضة أبي عبدالله (عليه السلام)

لو لم تكن عاشوراء ولولا تضحيات آل الرسول لتمكن طواغيت ذلك العصر من تضييع آثار بعثة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وجهوده الشاقة. ولولا عاشوراء لسيطر المنطق الجاهلي لأمثال أبي سفيان[35] الذين أرادوا القضاء على الوحي والكتاب، فقد هدف يزيد ــ حثالة عصر الوثنية والجاهلية المظلم ــ إلى استئصال جذور الحكومة الإلهية ظناً منه أنه يستطيع بواسطة تعريض أبناء الوحي للقتل والشهادة أن يضرب أساس الإسلام، فقد كان يعلن صراحة: "لا خبرُ جاء ولا وحي نزل". ولا ندري لو لم تكن عاشوراء ما الذي كان حصل للقرآن الكريم والإسلام، لكن إرادة الله تبارك وتعالى شاءت ــ وما تزال ــ أن يخلد الإسلام المنقذ للشعوب والقرآن الهادي لها، وأن تحييه دماء شهداء من أمثال أبناء الوحي وتصونه من أذى الدهر، فتبعث الحسين بن علي (عليه السلام) ــ عصارة النبوة وتذكار الولاية ــ وتستنهضه كي يضحي بنفسه وبأرواح أعزته فداءً لعقيدته ومن أجل أمة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) العظيمة كي تبقى دماؤه الطاهرة تغلي على امتداد التاريخ وتجري دفّاقةً لتروي شجرة دين الله وتصون الوحي وتحفظ معالم الدين.

لقد أثمرت شهادة سيد المظلومين وأتباع القرآن في عاشوراء خلود الإسلام وكتبت الحياة الأبدية للقرآن الكريم، إن الشهادة المأساوية والأسر الذي تعرض له آل الله عرّضت عروش اليزيديين وسلطتهم ــ التي أرادت محو أساس الوحي باسم الإسلام ــ إلى الفناء وإزاحة السفيانيين عن مسرح التاريخ إلى الأبد.

لقد حفر اليزيديون في يوم عاشوراء قبورهم بأيديهم الآثمة وتسببوا هم بهلاك أنفسهم ومحق نظام حكمهم الظالم المتعسف، وها هم البهلويون[36] وجلاوزتهم المجرمون قد حفروا بأيديهم قبورهم عبر ما اقترفوه في 15 خرداد 1342 هــ ش [15 حزيران 1963] ووصموا أنفسهم بالخزي والعار الأبدي، وها هو الشعب الإيراني العظيم ــ والحمد لله ــ يمطر قبورهم باللعنات ويدوس ــ باقتدار وظفر ــ ذكرهم وآثارهم.

*****

لو لم تكن نهضة الحسين (عليه السلام)، لأظهر يزيد وأتباعه الإسلام أمام الناس بشكل مشوه، فهم لم يؤمنوا بالإسلام منذ البداية وكانوا يُكِنّون الحقد ويضمرون الحسد ضد أولياء الإسلام.

وعندما أقدم سيد الشهداء على تلك التضحية جعل ــ علاوةً على إلحاقه الهزيمة

بأعدائه ــ الناس ليلتفتون بعد برهة قصيرة إلى فداحة ما حصل وإلى عظم المصيبة التي نزلت بهم، مما أدى إلى القضاء على بني أمية وتدمير حكمهم.

*****

لقد قامت تلك الشخصية العظيمة التي نفذت من عصارة الوحي الإلهي وتربت في أحضان سيد الرسل محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله) وسيد الأولياء علي المرتضى (عليه السلام) ونشأت وترعرعت في أحضان الصديقة الطاهرة (عليها السلام)، ونهضت وقدّمت التضحيات المنقطعة النظير فهزت ومن خلال تضحياتها وملحمتها الإلهية عروش الظالمين وحطمتها وأنقذت الإسلام عبر تلك الواقعة الكبرى.

*****

لقد فجر سيد الشهداء (ع) نهضة عاشوراء العظيمة، فأنقذ ــ من خلال تضحيته العظيمة بدمه ودماء أعزته ــ الإسلام العدالة وقوّض أركان حكم بني أمية.

*****

لولا تضحيات حرّاس الإسلام العظماء واستشهاد أنصار أبي عبدالله (ع) البطولي لشوهت صورة الإسلام على يد بني أمية من جرّاء تعسفهم وبطشهم، ولذهبت جهود النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأصحابه المضحين أدراج الرياح.

*****

إن معظم الأئمة الأطهار (عليهم السلام) إما أنهم قتلوا أو تعرضوا لغير ذلك، لكن مدرستهم وخطّهم بقِيا محفوظين. فسيد الشهداء (عليه السلام) قتل، لكن نهجه ومدرسته ظلت خالدة، بل إنه أحيى الإسلام بمقتله.

*****

إن معظم أصحاب الحق قد غلبوا، لكن الدين بقي مصاناً محفوظاً. فسيد الشهداء (سلام الله عليه) قد قُتل وقُتل معه أصحابه وعشيرته لكنهم دفعوا عجلة الدين وقدموا له خدمة عظيمة، فالدين لم يتعرض بعملهم لهزيمة بل حقق تقدماً، أي أنه هزم بني أمية إلى الأبد.

لقد سعى بنو أمية في تشويه الإسلام والعمل خلافاً للموازين الإنسانية تحت غطاء الخلافة الإسلامية، فنهض سيد الشهداء (عليه السلام) وضحى بدمه فأطاح بذلك النظام الفاسد ودمره.

إن أولياء الله ينكسرون أيضاً، فلا شك أن أمير المؤمنين (عليه السلام) انكسر عسكرياً في حربه ضد معاوية[37]، ولا شك أن الإمام الحسين (عليه السلام) انكسر عسكرياً في حربه ضد يزيد، لكنهما في الحقيقة انتصرا، فما وقع كان هزيمةً ظاهريةً ونصراً حقيقياً.

*****

إن سيد الشهداء (عليه السلام) هو الذي صان الإسلام وحفظه حتى وصل إلينا نحن الجالسين هنا.

*****

إن الإسلام عزيز لدرجة جعلت الأئمة (عليهم السلام) من أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله) يضحون بأنفسهم من أجله. فسيد الشهداء (عليه السلام) قتل وأولئك الشبان والأنصار في سبيل الإسلام، فضحوا بأرواحهم وأحيوا الإسلام.

*****

لقد خاض سيد الشهداء (عليه السلام) غِمار النضال والجهاد ضد الحكومة الطاغوتية التي كانت قائمةً آنذاك، واستشهاده لم يَضُرَّ بالإسلام بل خدم الإسلام ودفع به إلى الإمام، فلولا شهادته لكان معاوية وابنه قد تمكنا من إظهار الإسلام للعالم بشكل آخر تحت ستار خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتحت غطاء الذهاب إلى المسجد وإقامة صلاة الجمعة وإقامة صلاة الجماعة وإمامتها.

كان معاوية وابنه يزعمان خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأن حكومتهما حكومة الإسلام، لكن محتوى حكمهما كان غير ذلك، فلا الحكومة حكومة إسلامية ــ من حيث المحتوى والجوهر ــ ولا الحاكم حاكم إسلامي.

ولما رأى سيد الشهداء (عليه السلام) ما يقوم به هؤلاء من دور لمحو الإسلام وإعادة الوضع إلى ما كان عليه في الجاهلية، وإظهار الإسلام وكأنه نظير لما كان سائداً من الأوضاع في الجاهلية، تحرك (عليه السلام) وأحبط مساعيهم.

*****

إن شهادة سيد الشهداء (عليه السلام) أحيت الدين، لقد استشهد هو وأحيى الإسلام ودفن النظام الطاغوتي لمعاوية وابنه يزيد، فشهادة سيد الشهداء (عليه السلام) لم تكن شيئاً مضراً بالإسلام، وإنما كانت لمصلحة الإسلام، فهي التي أحيته.

*****

لولا سيد الشهداء (عليه السلام) لاستطاع هؤلاء تقوية وتدعيم نظامهم الطاغوتي ولأعادوا الوضع إلى ما كان عليه في الجاهلية، لولا هذه الثورة المباركة لكنا أنا وأنتم الآن مسلمين من النوع الطاغوتي لا على النهج الحسيني... لقد أنقذ الإمام الحسين (عليه السلام) الإسلام

لقد تعرض الإمام الحسين (سلام الله عليه) للهزيمة عسكرياً إلاّ أنّ النصر النهائي كان من نصيبه، فخطُّه ونهجه لم يُهزما بمقتله، بل إن عدوه هو الذي ذاق الهزيمة، وكان نصيب الفناء، فقد كان معاوية يريد أن يحوّل حكومة الإسلام إلى حكومة امبراطورية ملكية ويعيد الأمور إلى ما كانت عليه في عصر الجاهلية، فنهض الإمام سيد الشهداء (عليه السلام) وأفشل مساعيه، ودُفن يزيد وأتباعه وظلت لعائن الناس تلاحقهم إلى الأبد كما انصبت عليهم اللعنة الإلهية أيضاً.

إن سيد الشهداء (عليه السلام) قد أنقذ الإسلام ووفر له الوفاء والحماية على مدى الزمن.

*****

لقد ورد في الرواية أن الرسول (صلى الله عليه وآله) قال: "حسين مني وأنا من حسين"[38].

ومعنى ذلك أن الحسين (عليه السلام) سيكون امتداداً لي ويحيا الدين الذي أرسلتُ به على يديه. كل هذه من بركات شهادته، رغم أن العدو أراد أن يمحو آثار النبي (صلى الله عليه وآله)، فهم كانوا يقولون: "لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزِّل"[39]. كانوا يريدون قلع الإسلام من جذوره واستئصال بني هاشم وإقامة دولة عربية قومية.

*****

إن مجيء سيد الشهداء (عليه السلام) إلى مكة وخروجه منها[40] بتلك الحال يُعد حركةً سياسيةً كبيرةً. ففي الوقت الذي كان فيه الحجيج يدخلون مكة كان الحسين (عليه السلام) يغادرها، وهي حركةٌ سياسيةٌ، فكل سلوكات الحسين (عليه السلام) وأعماله كانت سياسية إسلامية، وهي التي قضت على بني أمية، ولولا تلك التحركات لسحق الإسلام وانتهى.

*****

لقد ضحى الإمام الحسين (عليه السلام) بنفسه وبجميع أبنائه وأقربائه، فقوي الإسلام بشهادته.

*****

صحيح أن سيد الشهداء (عليه السلام) قد قُتل لكنه لم يُهزم ولم يندحر، بل إنه أَلحق الهزيمة النّكراء ببني أمية بحيث أنه سلبهم القدرة على فعل أي شيء حتى النهاية.

لقد انتصر الدم على السيف انتصاراً ترون آثاره باقية حتى اليوم، حيث ظل النصر حليفاً لسيد الشهداء (عليه السلام)، بينما الهزيمة ليزيد وأتباعه.

*****

كان سيد الشهداء (عليه السلام) على حق، ونهض بثلة قليلة من الأنصار ونال منــزلة الشهادة هو وأبناؤه لكنه أحيى الإسلام وأذلّ يزيد وبني أمية.

*****

لقد نهض سيد الشهداء (سلام الله عليه) بعدد قليل من الأصحاب وثلة قليلة من أرحامه ومخدراته من نساء بني هاشم، ولأن قيامه كان لله فإنه حطّم تلك الحكومة الملكية، وصحيح أنه قُتل غير أنه قلع الحكم الملكي من الجذور، فقد كانت تلك الحكومات تحول الإسلام إلى سلطة طاغوتية ملكية.

*****

من يرد أن يعمل لله، فليس في عمله هزيمةٌ مطلقاً، ونحن حتى لو قتلنا فإننا لن نهزم ــ فسيد الشهداء (عليه السلام) قتل أيضاً ولكن هل هزم؟ كلا، فلواؤه اليوم مرفرف خفاق في حين لم يبق ليزيد أثر يذكر.

*****

لولا نهضة سيد الشهداء (عليه السلام) لما استطعنا تحقيق النصر في ثورتنا هذه.

*****

 

نهضة عاشوراء، قدوة الأحرار

(كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء)

لقد علّم سيد الشهداء (عليه السلام) الجميع ماذا ينبغي عليهم عمله في مقابل الظلم والحكومات الجائرة، فرغم أنه كان يعلم منذ البداية بأن عليه أن يضحي ــ في طريقه الذي سلكه ــ بجميع أنصاره وأهل بيته من أجل الإسلام، إلاّ أنه كان يعرف عاقبة ذلك أيضاً.

علاوةً على ذلك فقد علّم الجميع على مر التاريخ وأرشدهم إلى أن هذا هو الطريق الصائب. علّمهم أن لا يخشوا قله العدد، فالعدد ليس هو الأساس في تحقيق التقدم للإمام، الأصل والمهم هو النوعية، والمهم هو كيفية التصدي للأعداء والنضال ضدهم ومقاومتهم، فهذا هو الموصل إلى الهدف. من الممكن أن يكون عدد الأفراد كبيراً إلاّ أنهم قد يكونون خاوين أو ليسوا بالمستوى المطلوب.

ومن الممكن أن يكون عددهم قليلاً إلاّ أنهم أقوياء أشداء وشامخو الهامات.

*****

لقد علمنا إمام المسلمين أنه عندما يحكم المسلمين طاغوتٌ جائر فعلى المسلمين وعلينا أن ننهض بوجه حتى لو كانت قوانا لا تتناسب مع القوى التي يملكها، علينا أن نقوم ونستنكر، علّمنا أن نضحي ونسترخص دماءنا إذا رأينا كيان الإسلام عُرضةً للخطر.

*****

لقد علّمنا سيد الشهداء (عليه السلام) بنهضته ما ينبغي لنا عمله في ساحة الحرب وخلفها، وماذا يجب أن يعلمه أولئك الذين يخوضون غمار الكفاح المسلح وما هي واجبات المبلغين خلف جبهات القتال وكيف يؤدّون ذلك.

تعلمنا من الحسين (عليه السلام) كيفية النضال والجهاد الذي تقوده قلة من الناس بوجه جحافل الظلمة، وكيف يكون ثلة قليلة بوجه حكومة تعسفية جائرة تسيطر على كل مناحي الحياة.

هذه أمور تعلمها شعبنا من سيد الشهداء (عليه السلام) وأهل بيته، كما تعلّم من ابنه الجليل الفذ الإمام السجاد (عليه السلام) ماذا ينبغي عمله بعد وقوع المصيبة، هل ينبغي الاستسلام؟ هل يجب التخفيف والتقليل من حدة النضال والجهاد؟ أم أن علينا أن نقتدي بزينب (عليها السلام) التي حلّ بها مصاب تصغر عنده المصائب، فوقفت بوجه الكفر والزندقة، وتكلمت وخطبت كلما تطلب الموقف وكشف الحقائق، ومثلما مارس الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) دوره التبليغي رغم المرض الذي كان يعاني منه.

*****

لقد حدد سيد الشهداء (عليه السلام) وأنصاره وأهل بيته تكليفنا وهو التضحية في الميدان، والتبليغ في خارجه.

فنفس القيمة التي تحملها تضحية الحسين (عليه السلام) عند الله (تبارك وتعالى) ونفس الدور الذي لعبته في تأجيج نهضته، تحملها ــ أو تقاربها ــ خطب الإمام السجاد (عليه السلام) وزينب (عليها السلام) أيضاً.

فتأثيرها يقرب من تأثير تضحية الحسين (عليه السلام) بدمه.

لقد أفهمونا أنه لا ينبغي للنساء ولا للرجال أن يخافوا في مقابل حكومة الجور. فقد وقفت زينب (سلام الله عليها) أمام يزيد ــ في مجلسه ــ وصرخت بوجهه وأهانته وأشبعته تحقيراً لم يذقه بنو أمية قاطبة طيلة حياتهم.

كما أنها والسجاد (عليهما السلام) قد تحدّثا وخطبا في الناس أثناء الطريق وفي الكوفة والشام، وما قام به الإمام السجاد (عليه السلام) من الخطابة وكشف الحقائق فأكد على أن الأمر ليس مواجهة الباطل ضد الحق، وأن الأعداء قد شوهوا سمعة النهضة، وحاولوا أن يتهموا الحسين (عليه السلام) بالخروج على الحكومة القائمة وعلى خليفة رسول الله !! هكذا أعلن الإمام السجاد (عليه السلام) الحقيقة بصراحة على رؤوس الأشهاد، وهكذا فعلت زينب (عليها السلام) أيضاً.

وهكذا الأمر اليوم فسيد الشهداء (عليه السلام) قد حدد واجبنا وعيّن تكليفنا، وعلمنا أن لا نخشى قلة العدد في المواجهة ولا من الاستشهاد في ميدان الحرب، فكلما عظم هدف الإنسان وسمت غايته كان عليه أن يتحمل المشاق بما يتناسب مع ذلك الهدف.

*****

لقد ضحى الإمام الحسين (عليه السلام) ــ رغم قلة عدد أنصاره ــ بكل شيء، ووقف بوجه امبراطورية كبرى وقال: لا.

*****

بينما كانت شهادة سيد الشهداء (عليه السلام) أعظم خسارة، فإنه كان يعلم ماذا يفعل، بأي اتجاه يسير، وما هو هدفه، فقد ضحى واستشهد، وعلينا نحن أيضاً أن نعقد أملنا ونهتدي بتلك التضحيات، ولنرَ ماذا صنع سيد الشهداء (عليه السلام) وكيف طوى بساط الظلم ودمر بُنيانه وأزال أركانه، ثم ماذا فعلنا نحن!

*****

عندما رأى سيد الشهداء (سلام الله عليه) حاكماً ظالماً يحكم بين الناس بالجور والظلم صرّح (عليه السلام) قائلاً:

"أيها الناس، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله".

تُرى هل أن دمنا أثمن وأغلى من دم سيد الشهداء (عليه السلام)؟ لماذا نخاف من أن نضحي بدمنا وأرواحنا؟ والأهم أن هذه التضحية إنما هي في سبيل دفع السلطان الجائر الذي يقول: إنني مسلم.

إن إسلام يزيد كإسلام الملك محمد رضا، وإن لم يكن أسوأ فليس بأحسن منه، ولأنه عامَلَ الشعب بتلك المعاملة وكان امرءً ظالماً جائراً غشوماً وأراد أن يرغم الناس على إطاعته دون مسوغ، فإن سيد الشهداء (عليه السلام) رأى أن عليه أن ينهض بوجه ذلك السلطان الجائر حتى لو أدى ذلك إلى التضحية بحياته.

*****

إن منهج الإمام الحسين (سلام الله عليه) وأوامره الموجهة للجميع "كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء" تقضي بأن نستمر في الثورة والقيام والنهوض، امتداداً لتلك النهضة وذلك المنهج، فالإمام الحسين (عليه السلام) ثار ومعه فئة قليلة العدد من الأنصار، ووقف بوجه امبراطورية كبرى وضحى بكل شيء من أجل الإسلام، وأكّد: أنه ينبغي أن يستمر هذا الرفض والقيام في كل زمان ومكان.

*****

إن مقولة "كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء" مقولة كبرى لكنها تُفْهَمُ فهماً خاطئاً، فالبعض يتصور أنها تعني أننا ينبغي أن نبكي كل يوم، لكن محتواها غير هذا.

لو نظرنا ما هو دور كربلاء، ما هو دور كربلاء في يوم عاشوراء، حينذاك ندرك أن على كل أرض أن تكون كذلك، أن تمارس دور كربلاء الذي يتلخص في أنها كانت ميداناً خاض فيه سيد الشهداء (عليه السلام) غمار الحرب ومعه ثلة قليلة من الأنصار، فصمدوا وقاوموا ظلم يزيد وتصدوا للحكم الجائر لذلك العصر وضحّوا وقتلوا، ورفضوا الظلم وهزموا يزيد ودحروه.

هكذا ينبغي أيضاً أن تكون بقية البلدان، وينبغي أن يحصل هذا الرفض للظلم في كل يوم، وعلى شعبنا أن يجسد ذلك في كل يوم ويشعر بأنه يوم عاشوراء، وينبغي لنا أن نقف بوجه الظلم ونعتبر أن هذه أيضاً أرض كربلاء وعلينا أن نعيد فيها دور كربلاء.

فليست كربلاء محصورة في أرض معينة ولا في أفراد معينين، وقضية كربلاء لا تقتصر على جمع من الأشخاص لا يتجاوز الاثنين والسبعين شخصاً أو في رقعة جغرافية صغيرة، بل على جميع البلدان أن تؤدي الدور نفسه وفي كل يوم ينبغي أن لا تغفل الشعوب عن الوقوف بوجه الظلم والتصدي للجور.

*****

لا تقلقوا ولا تضطربوا وأبعدوا عنكم الخوف والهلع، فإنكم أتباع عظماء استقاموا وصبروا بوجه المصائب والمآسي، وما نراه نحن اليوم لا يعد شيئاً يذكر بالقياس لذلك.

لقد اجتاز عظماؤنا أحداثاً كبرى كتلك التي حصلت في يوم عاشوراء وليلة الحادي عشر من المحرم، وتحمّلوا مثل تلك المصائب في سبيل دين الله. فماذا واجهتم أنتم اليوم؟ ومم تخشون؟ وعلام أنتم قلقون؟

إنه من المخجل لمن يدّعون أنهم أتباع أمير المؤمنين والإمام الحسين (عليهما السلام) أن يفقدوا السيطرة على أنفسهم في مقابل هذا النمط من الأعمال الدنيئة المفضوحة للنظام الحاكم.

*****

كانت انتفاضة الثاني عشر من المحرم والخامس عشر من خرداد التي انطلقت لتهدَّ عروش الملك وأسياده الأجانب ــ والتي تعد امتداداً للنهضة الحسينية المقدسة ــ حركة مدمرة وبناءة للغاية. وقد أعطت للمجتمع مجاهدين ومضحين ضيّقوا الخناق على الظالمين والخونة وأطبقوا عليهم وأحالوا نهارهم إلى ليل حالك، وأمدوا الشعب بالوعي والتحرك والتآزر، الأمر الذي أقض مضاجع الأجانب وعملائهم، وحول الحوزات العلمية والجامعات والأسواق التجارية إلى خنادق منيعة للدفاع عن العدالة وعن الإسلام والمذهب المقدس.

*****

إن الأمر المهم الذي نواجهه اليوم، هو من الأمور التي ينبغي التضحية من أجلها حتى بالنفس، ذلك الأمر الذي دفع سيد الشهداء (عليه السلام) للتضحية بنفسه في سبيله، وهو ذات الأمر الذي دفع النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لبذل الجهود الدءوبة من أجله مدة ثلاثة وعشرين عاماً، وهو ذات الأمر الذي دفع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لمواجهة معاوية ثمانية عشر شهراً من أجل تحقيقه، في حين أن معاوية كان يدعي الإسلام وكذا وكذا. فلماذا وقعت تلك الحرب؟

لقد وقعت الحرب من أجل القضاء على حكم جائر ونظام ظالم متعسف. فضحى أمير المؤمنين (عليه السلام) بالكثير من أصحابه، وقتل كثيراً من أعدائه آنذاك، لماذا؟ لأجل إقامة الحق والعدل.

*****

نحن لسنا بأعلى درجة من سيد الشهداء (عليه السلام)، وسيد الشهداء (عليه السلام) قد عمل بواجبه وقتل.

*****

إن ذكريات وأحداث السابع عشر من شهريور عام 1357 [8 أيلول 1978م][41] ذكريات وأحداث مؤلمة ــ مثل غيرها من الأحداث والمصائب التي مرت بها الأمة ــ لكن ثمرتها الطيبة هي تهاوي قصور الاستكبار والاستبداد وارتفاع راية جمهورية العدل الإسلامية عالياً.

وإلاّ ألا ينبغي للأمة الإسلامية الإقتداء بالمنهج السامي "كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء"؟ إن النهضة العامة الشاملة ينبغي أن تحصل في كل يوم، وفي كل أرض، ففي عاشوراء وقعت نهضة أقدم عليها قلة من التواقين إلى العدالة، يدفعهم إيمانهم العظيم وحبهم الفريد لله، إلى الوقوف في مقابل الطغاة الناهبين الجائرين من سكان القصور. إن الأمر الوارد إلينا هو أن يكون ذلك قدوة لحياة أمتنا في كل عصر ومصر.

إن الأيام التي مرت بنا كانت تكراراً لعاشوراء، وكل الساحات والميادين والأزقة والشوارع التي سفكت عليها دماء أبناء الإسلام كانت تكراراً لكربلاء.

وهذا الأمر يعد تكليفاً وبشرى لنا.

تكليف من حيث أن المستضعفين مكلفون ــ وإن قلّ عددهم ــ بالنهوض ضد المستكبرين ــ وإن كثر عددهم وعدتهم ــ مثلما فعل سيد الشهداء (عليه السلام).

وبشرى من حيث أنها تجعل شهداءنا في مصاف شهداء كربلاء.

وبشرى من حيث أن الشهادة رمز الانتصار.

إن ما حدث في مجزرة 17 شهريور [8 أيلول 1978] كان تكراراً لعاشوراء، و(ساحة الشهداء) هي كربلاء أخرى، وشهداؤنا كشهداء كربلاء، وأعداؤنا هم أشباه يزيد وجلاوزته.

لقد قوضت كربلاء ــ بالدماء ــ قصر الظلم وأركان الاستكبار الإبليسي، لذا علينا نحن وارثي هذه الدماء وذوي الشبان والشهداء المضرجين بدمائهم، أن لا نركن إلى القعود حتى نوصل تضحياتهم إلى نتيجتها ونصفِّي ونزيل ــ بضربة قاضية وإرادة حاسمة ــ بقايا النظام الظالم وحثالات المتآمرين عملاء الشرق والغرب وندفنهم عند أقدام شهداء الفضيلة.

في ذكرى هذه الفاجعة المشئومة المصادفة لذكرى 15 خرداد [5 حزيران 1963] فجر شعبنا العظيم ــ واستلهاماً من عاشوراء ــ تلك النهضة الكبرى، ولولا عاشوراء وحرارتها وحماستها لا ندري هل كان ممكناً وقوع تلك النهضة العظيمة وبدون خلفية وتنظيم مسبق؟ إن واقعة عاشوراء العظيمة وبِدءاً من عام 61هــ ق وحتى خرداد 1361هــ ش [1982م] ومنها حتى نهضة المهدي العالمية وظهور بقية الله الأعظم ــ أرواحنا لمقدمه الفداء ــ تمثل منطلقاً للثورة والملاحم.

*****

وإنكم تشاهدون ما يعرضه التلفزيون عن جند الإسلام وترون كيف أنهم يحفظون للجبهات حرارتها وتماسكها، يدفعهم إلى ذلك عشقهم للإمام الحسين (عليه السلام).

*****

لقد أدرك شعبنا الآن ما هو معنى أن "كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء" فمجالس الدعاء التي يقيمها جند الإسلام وتضرعهم ومناجاتهم تعيد إلى الأذهان دعوات ومناجات الحسين (عليه السلام) في ليلة عاشوراء.

*****

في نفس الوقت الذي نتعرض فيه لفقد شُبّانِنا ورجالنا الأشاوس، فإننا كسبنا وربحنا ما هو أثمن وأغلى من هذه الأمور، وهو ذات الشيء الذي ضحى سيد الشهداء (سلام الله عليه) بأبنائه وإخوته وحرائره من أجله، وهو نفس الشيء الذي أنفق رسول الله (صلى الله عليه وآله) حياته من أجله وعانى في سبيله جميع أئمتنا المعصومين (عليهم السلام) كل تلك المعاناة.

*****

الفصل الثاني

فلسفة العزاء والمآتم الحسينية

لا يخفاكم بأن تعاليم الأئمة (عليهم السلام) تؤكد على أهمية وتعظيم هذه الملحمة التاريخية الإسلامية، كما أن صبَّ اللعن على ظالمي آل البيت (عليهم السلام) يمثل توجيهاً لهتافات الشعوب المزمجرة لتصب على الطواغيت والظلمة على مر التاريخ وإلى الأبد.

ولا يخفاكم بأن صب اللعنات وإطلاق الصرخات المستنكرة لظلم وجور بني أمية (لعنة الله عليهم) ــ رغم انقراضهم وانتهائهم إلى جهنم ــ تعد صرخةً ضد الظلمة والطواغيت الحاكمين في العالم، وإحياء وإدامة هذه الصيحة الهادرة من شأنه تحطيم الظلم ومحق الجائرين.

*****

إن البكاء على الشهيد بعد إحياءٍ للنهضة وإدامة لها، والرواية الواردة "من بكى أو أبكى واحداً فله الجنة ومن تباكى فله الجنة"[42] إنما تشير إلى أن حتى المتباكي يعمل عملاً من شأنه إدامة النهضة وحفظها، وهذا يصون نهضة الإمام الحسين (سلام الله عليه) ويديمها.

*****

لو بكينا على الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الأبد فإن ذلك لن ينفعه شيئاً، بل ينفعنا نحن، وفضلاً عن نفعه لنا في الآخرة، فإن له في الدنيا من المنافع ما ترون، فلا يخفاكم ما له من الأهمية من الناحية النفسية والدور في تأليف القلوب وانسجامها.

*****

لا تظنوا أن هدف هذه المآتم والمواكب وغاياتها تنتهي عند حدّ البكاء على سيد الشهداء (عليه السلام)، فلا سيد الشهداء (عليه السلام) بحاجة إلى هذا البكاء، ولا هذا البكاء ينتج شيئاً في حد ذاته. إنما الأهم من كل هذا هو أن هذه المجالس تجمع الناس وتوجههم إلى وجهة واحدة، ففي أيام محرم وصفر وخصوصاً في أيام عاشوراء نرى كيف يتجه ثلاثون أو خمسة وثلاثون مليون شخص باتجاه واحد.

وليس عبثاً أن يطالب بعض أئمتنا (عليهم السلام) بأن تقام المراثي عليهم ــ من بعد وفاتهم ــ من على المنابر، وليس عبثاً أيضاً أن يقول أئمتنا: إن من بكى أو أبكى أحداً فله الجنة ومن تباكى فله الجنة.

القضية ليست قضية بكاء فحسب، ليست قضية تباكي فحسب ــ إنما هي قضية سياسية، فأئمتنا (عليهم السلام) يريدون ــ وعبر بصيرتهم وعمق رؤيتهم الإلهية ــ أن يوحدوا صفوف الشعب ويعبئوه بالطرق المختلفة كي يصان من الأذى.

*****

ورد في الرواية أن أحد أئمتنا (عليهم السلام) (ويبدو أنه الإمام الباقر (عليه السلام)، لا أذكر جيداً) أوصى بأن يستأجر له من يرثيه بعد وفاته في منى لمدة عشرة أعوام[43]. فهل أن الإمام الباقر (سلام الله عليه) كان بحاجة إلى ذلك؟ وماذا أراد الإمام الباقر (عليه السلام) أن يحقق من هذا البكاء؟ ولماذا في منى؟ وأي طراز من البكاء هذا؟ إن المهم في القضية هو الرثاء في منى، فحين يجتمع المسلمون في موسم الحج من كل أنحاء العالم في منى ويجلس شخص ليرثي الإمام الباقر (عليه السلام) ويوضح جرائم مخالفيه وأعدائه وقاتليه ولمدة عشر أعوام ويستمع الناس له، فإن ذلك يؤدي إلى توجيه اهتمام الناس نحو هذا المنهج وتقويته، وإثارة موجة من السخط والنقمة ضد الظالم ستؤدي إلى إضعافه.

لقد ضحينا بشبابنا، وضحت كربلاء بالشبان، وعلينا أن نحافظ على تلك التضحيات، ولا تظنوا أن الأمر مجرد بكاء وحسب، أبداً فالقضية سياسية اجتماعية، ولو كان الأمر مجرد بكاءٍ فقط فَلِمَ التباكي؟

وأساساً ما حاجة سيد الشهداء (عليه السلام) إلى البكاء؟ إن تأكيد الأئمة على أن تقام التجمعات والبكاء إنما يستند إلى ما لذلك من شأن في حفظ كيان الدين وصيانة المذهب.

*****

إن قيمة مجالس العزاء لم تدرك إلاّ قليلاً، ولربما أنها لم تدرك تماماً من قِبَلْ البعض، فالروايات التي تقول: إن كل دمعة تذرف لمصاب الحسين المظلوم (عليه السلام) لها من الثواب كذا وكذا[44]، وتلك الروايات التي تؤكد على عظم ثواب من بكى أو تباكى لم تكن من باب أن سيد المظلومين (عليه السلام) بحاجة إلى مثل هذا العمل، ولا لغرض إعطاء هذا الأجر والثواب للمسلمين بالرغم من أنه محرز و لاشك فيه، ولكن لِمَ جُعِلَ كل هذا الثواب العظيم لمجالس العزاء، ولماذا يجزي الله ــ تبارك وتعالى ــ من بكى أو تباكى بمثل هذا الثواب والجزاء العظيم؟

الجواب على ذلك يتضح تدريجياً من خلال النظر إليها من الناحية السياسية وسيعرف ذلك شيئاً فشيئاً فيما بعد إن شاء الله. إن هذا الثواب المعطى للقيام بهذه الأعمال مبعثه ــ وعلاوة على البعد العبادي والمعنوي لها ــ البعد السياسي، وهذه القضية تتضح وتتبلور أكثر حينما ندرس الظرف السياسي الذي صدرت فيه.

فقد كانت هذه الفرقة الناجية ــ حينذاك ــ مبتلاة بالحكم الأموي وبالحكم العباسي الأسوأ، وكانت فئة قليلة مستضعفة تواجه القوى الكبرى والسلطات الحاكمة.

وطوال التاريخ، كانت مجالس العزاء هذه وسائل تنظيمية منتشرة في أرجاء البلدان الإسلامية وفي إيران التي صارت مَهْداً للإسلام والتشيُّع وأخذت تتحول تدريجياً إلى وسائل لتحقيق الوقوف بوجه الحكومات التي كانت تجيء آنذاك هادفةً القضاء على الإسلام، وعلى أسسه الروحانية، وقد أضافت هذه المجالس والمواكب تلك الحكومات وأرعبتها.

*****

قد يسمينا المتغربون بــ (الشعب البكّاء) ولربــما يقتنع البعض منا بتحقق هذا من أن الثواب المعطى لمن يذرف دمعةً من عينه، والثواب المترتب على إقامة مجلس للعزاء، ولا يستطيعون أن يتعقلوا الجزاء المعد لقراءة الأدعية والثواب المعد لمن يقرأ دعاءً ذا سطرين مثلاً.

إن المهم في كل هذه الأمور، إنما هو البعد السياسي لهذه الأدعية وهذا التوجه إلى الله وتمركز أنظار الناس إلى نقطة واحدة وهدف واحد، وهذا هو الذي يعبئ الشعب باتجاه هدف أو غاية إسلامية معينة، فمجلس العزاء لا يهدف إلى تحقيق البكاء على سيد الشهداء (عليه السلام) والحصول على الأجر، وطبعاً إنّ هذا حاصل وقائم، ولكن الأهم من ذلك هو البعد السياسي للأمر، وهو ما خطط له أئمتنا (عليهم السلام) في صدر الإسلام كي يدوم حتى النهاية، وهو الاجتماع تحت لواء واحد وبفكر واحد، ولا يمكن لأي شيء آخر أن يحقق ذلك بالقدر الذي يفعله عزاء سيد الشهداء (عليه السلام).

إن تلك الفئة من رواد المساجد ممن يسمعون الخطابة ثم يغادرون المجلس بمجرد وصول الخطيب إلى ذكر المصيبة، إنما يفعلون ذلك لأنهم لا يدركون أهميتها. فذكر المصيبة والمراثي هو الذي صان المحراب وحفظ المنبر، ولولاها لما تسنى للخطيب أن يطرح ما يريده من المواضيع، ولولاها لما بقي للمنبر وجود يذكر.

ينبغي لنا أن نبكي على شهيدنا ونصرخ ونعبئ الناس بالوعي واليقظة. وعلينا أن نُذَكِّرَ الناس بهذه النقطة وهي أن الثواب هو ليس كل ما نريده ونرجوه فقط، وإنما نريد أن نتقدم ونتطور.

وحتى سيد الشهداء (عليه السلام) لم يكن كل هدفه ــ عندما نهض وقُتِلْ ــ أن يحصل على الثواب فحسب، إنما أراد إنقاذ الدين واستهدف إحياء الإسلام وإنقاذه.

وأنتم أيضاً عندما تقرؤون المراثي وتطرحون المواضيع وتذكرون المصائب وتدفعون الناس للبكاء، اجعلوا هدفكم صيانة الإسلام والدفاع عن هيبته ومجده. إننا نريد أن نحافظ على الإسلام بهذه المراثي وبهذا البكاء وتلاوة الشعر والنــثر، نريد أن نصونه كما حفظه لنا الآخرون حتى الآن. ينبغي أن تقال هذه النقطة للناس كي يفهموها وهي أن قراءة المراثي وذكر المصائب ليس هدفه الإبكاء فحسب، وإنما البكاء وسيلة حُفِظَ بها الدين، بل حتى التباكي يثاب المرء عليه، لماذا؟ لأنّه هو الآخر يساعد على صون الدين.

*****

ولو كان هؤلاء يعلمون حقيقة الأمر ويدركون أهمية هذه المجالس والمواكب وقيمة هذا البكاء على الحسين (عليه السلام) والأجر المعدّ له عند الله لما قالوا عنّا: الشعب البكّاء، بل لقالوا: شعب الملاحم.

لو فهموا الآثار التي تركتها أدعية الإمام السجاد (عليه السلام) الذي كان يعيش تحت ظل حكومةٍ مستبدةٍ جائرةٍ، تفرض سلطتها على كل مناحي الحياة، والذي كان قد فقد لتوّه كل أهل بيته وكيف تمكنت من القيام بدور المعبئ للشعب، لو فهموا ذلك لما قالوا لنا ما هي جدوى هذه الأدعية.

ولو كان مثقفونا يدركون الأبعاد السياسية والاجتماعية لهذه المجالس وهذه الأدعية والأذكار والنوائح لما قالوا لنا لِمَ تفعلون كل هذه الأمور وتتمسكون بها.

*****

إن أولئك الذين يلقنون شبابنا الآن بالقول: (إلى متى البكاء ومجالس التعزية والرثاء تعالوا ننظم التظاهرات والمسيرات) لم يفهموا ما هي التعزية وكيف أنها ساهمت في إبقاء هذا الأساس وهذا الكيان قائماً حتى الآن، لا يعلمون ولا يمكن إفهامهم بذلك.

إنهم لا يدركون أن هذه التعزية والمراثي تصنع الإنسان وتبني شخصيته، ولا يَعُونَ أنها تبليغ ضد الظالم وضد الطاغوت وما يجب أن يجري فيها هو تبيان الذي لحق بالمظلوم، وإنما ينبغي أن تبقى هكذا حتى النهاية.

أهمية المآتم الحسينية ودورها في إحياء معالم الدين وترسيخ مدرسة سيد الشهداء (عليه السلام)

علينا أن نعلم جميعاً بأن ما من شأنه إيجاد الوحدة بين المسلمين هي هذه المراسم السياسية، مراسم عزاء الأئمة الأطهار وخصوصاً سيد المظلومين والشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) الذي صان عقيدة المسلمين وخصوصاً شيعة الأئمة الاثني عشر (عليهم صلوات الله وسلامه).

*****

لقد وردت تأكيدات كثيرة من قِبَلْ الأئمة (عليهم السلام) على إقامة عزاء سيد المظلومين (عليه السلام)، باستمرار، والإبقاء على صوت مظلومية آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) والاستمرار بفضح ظلم بني أمية (عليهم لعنة الله) مع أنهم قد انقرضوا، وإدامة صيحة المظلوم بوجه الظالم، إن هذه الصيحة يجب أن تبقى حيةً مستمرةً، وإنّ بركات ذلك واضحة ملموسة اليوم في إيران حيث الحرب مع اليزيديين.

حينما بدأ الدين يضعف وينهار بسبب تصرفات بعض رواد عصر صدر الإسلام ولم يــبق سوى بضعة أشخاص ملتزمين بهذا الدين، شاء الله تعالى أن ينهض الحسين بن علي (عليه السلام) ويوقظ الأمة بتضحياته وجُعِلَ للمشاركين في مراسم عزائه عليه السلام ثواباً جزيلاً من أجل إبقاء حالة الوعي لدى الناس، ولكي يصان أساس كربلاء من الاندثار والزوال، فكربلاء تقوم على أساس قلع قواعد الظلم والجور، وحث الناس على التوحيد ودفعهم نحو العدل والقسط.

وفي مثل هذا الحال فإن من الضروري أن يتم التمسك بمراسم التعزية والمواكب التي تملك مثل هذا الأساس ومثل هذا الثواب لكي يلتزم الناس بها برغم كل الضغوط والمصاعب ولا يَدَعُونــهَا، وإلا فإن جهود الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) ستسحق بسرعة البرق، الأمر الذي يؤدي إلى تلاشي واندثار جهود ومساعي رسول الله (صلى الله عليه وآله) التي بذلت لوضع أسس ودعائم التشيع، بشكل كامل.

إذن فعلى فرض أن الله تعالى يُثيب ويجزي القائمين بهذه الأعمال، فإنه ثواب مجعول لعمل صالح وثمرته بقاء دين الحق وأساس التشيع وفي ذلك سعادة الناس في الدنيا والآخرة، وبالنظر لوضع الشيعة في ذلك الحين والضغوط المختلفة التي كانوا يتلقونها من مخالفي الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فإن قيمة هذا العمل تفوق التّصور، والله ــ تبارك وتعالى ــ أعد لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وفي هذا كل العدالة.

*****

إن دماء سيد الشهداء (عليه السلام) هي التي جعلت دماء الشعوب المسلمة تغلي، ومواكب العزاء الحسيني العزيزة هي التي تحرك الناس وتهيجهم وتعدهم لحفظ الأهداف والمقاصد الإسلامية، وينبغي عدم التماهل أو التساهل في ذلك.

*****

إن الحق منتصر، ولكن للنصر مفاتيحٌ ورموزٌ ينبغي لنا العثور عليها ومعرفتها، علينا أن نعرف سر بقاء الشيعة طوال الزمن منذ عصر أمير المؤمنين (سلام الله عليه) حتى الآن، في الفترات التي كانت الشيعة لا تعدو جماعةً قليلةَ العددِ، أما الآن فقد صاروا كثيرين، طبعاً ليس بالقياس إلى الآخرين.

علينا أن ندرك سر بقاء هذا المذهب وبقاء البلدان الإسلامية والشيعية، وعلينا أن نحفظه. وأحد هذه الرموز الكبيرة ــ وهو أكبرها ــ قضية سيد الشهداء (عليه السلام) وعلينا أن نحفظ هذا الرمز، ونهتم بهذه المجالس التي كانت تقام على مر التاريخ وبأمر الأئمة (عليهم السلام).

لا يظن بعض هؤلاء الشبان أن هذه المجالس ما هي إلاّ مجالس للبكاء، وعلينا الآن أن نَكُفّ عن البكاء، هذا هو الخطأ الذي يقعون فيه.

*****

لقد ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) الأساس الذي حفظ كل شيء حتى الآن، فقد قال (صلى الله عليه وآله): "وأنا من حسين" أي أنه هو الذي يحفظ الدين، وإن هذه التضحية وهذا الفداء هما اللذان حفظا الإسلام، وإن علينا نحن أن نحفظه.

بعض هؤلاء الشبان ليسوا ملتفتين إلى الحقيقة، هم يتعرضون إلى الإيحاء من قبل أشخاص لا يريدون للشعائر أن تبقى أساساً، فالخطابة تقوم بتهييج عواطف الناس وتُحَمِّلُهُمْ على تسجيل حضورهم الفعّال في كل الميادين.

فعندما رأى الناس سيد الشهداء (عليه السلام) يُقدِّم شُبّانَهُ في ساحة الحرب فيقطعون إرباً إرباً هان عليهم أن يقدِّموا أبناءهم، وبهذا الحب للشهادة أخذ شعبنا يتطور ويتقدم، وهذا رمز العطاء الذي ورثناه من كربلاء انعكس على جميع نواحي حياتنا. فصار أبناء شعبنا يتمنون الشهادة، الشهادة التي كان الإمام الحسين (عليه السلام) سيدها المطلق فهو سيد الشهداء (عليه السلام)، والبعض من الشبان لا يفهمون بأن هذا هو الذي حفظ الدين، أما أولئك الذين يدركون السر فهم يلقنون الشبان ويخدعونهم.

*****

إن الخطابة الحسينية (المجالس الحسينية) تحفظ مدرسة سيد الشهداء (عليه السلام) ومنهجه، والذين يقولون: دعوها، لا يفهمون ــ أساساً ــ ما هو منهج الحسين (عليه السلام) ولا يدركون أن هذه المجالس وهذا البكاء قد حفظ الإسلام، منذ ألف وأربعمائة سنة. نعم، إن هذه المنابر وهذه المجالس والتعازي ومواكب اللّطم هي التي حفظت لنا الإسلام.

إن تلك الفئة من الشبان ممن لا يملكون نيّة سوء يتصورون أن علينا بعد الآن أن نتكلم بلغة العصر. والحال أن كلام سيد الشهداء (عليه السلام) هو عين الكلام العصري الجديد وسيبقى هكذا دائماً. وأساساً أن سيد الشهداء (عليه السلام) هو الذي علّمنا الكلام بلغة العصر وهذه المجالس والمراثي والبكاء واللّطم هي التي حفظت نهج سيد الشهداء (عليه السلام) وقضيته، ولو أراد امرؤُ الانفراد في إحدى زوايا غرف منــزله والاكتفاء بقراءة زيارة عاشوراء واستعمال المسبحة لما بقي شيء.

كل مذهب وكل مدرسة بحاجة إلى اهتمام شعبي واحتضان والتفاف بأمثال هذه المراسم: مراسم اللّطم والبكاء، ولو لم تكن موجودة لما أمكن أن يحفظ هذا المذهب ويصان. والذين لا يفهمون هذه الحقيقة مخطئون وجهلة، فهم لا يعلمون ما هو دور العلماء والخطباء في الإسلام ولربما كان بعضكم أيضاً لا يعلم ذلك جيداً. إن دورهم هو الذي حفظ الإسلام دائماً، كالزهرة التي تُروى بالماء الذي تسقى به باستمرار، فالبكاء على الحسين (عليه السلام) ومصائبه هو الذي صان خطّه وحفظ نهجه.

يجب علينا أن نبكي على الشهيد الذي نفقده ونهتم بإحياء ذكره ونقرأ المراثي ونبكي عليه، فالآخرون وعندما يقتل عضو من أعضائهم هكذا يفعلون، فلو أن أحد الأعضاء الحزبيين قتل لرأيتهم يبكون عليه ويهتفون ويعقدون الاجتماعات، ونحن هكذا نريد من خلال عقد التجمعات والهتافات إحياء نهج سيد الشهداء (عليه السلام)، لكن هؤلاء غير ملتفتين إلى هذه القضية، فهذا البكاء هو الذي حفظ المذهب، وهذه المآتم هي التي أحيتنا، هذه الأمور هي التي دفعت بنهضتنا إلى الأمام.

ولولا سيد الشهداء (عليه السلام) لما قامت هذه النهضة الإسلامية الحديثة ولما انتصرت، فالحسين (عليه السلام) حاضر في كل مكان وآثار نهضته مشهودة (كل أرض كربلاء) وكل المنابر محل لذكر سيد الشهداء (عليه السلام)، وكل محراب مصدره سيد الشهداء (عليه السلام).

لقد أنقذ الإمام الحسين (عليه السلام) الإسلام، فهل نَسْكُتُ على مقتل من نهض وأنقذ الإسلام باستشهاده؟ علينا أن نبكيه كل يوم وعلينا أن نرثيه من على المنبر كل يوم، من أجل حفظ هذا الدين والمحافظة على هذه النهضة، فهي مرهونة ومدينة للإمام الحسين (عليه السلام).

*****

أي انسجام أكثر من هذا؟ هل رأيتم شعباً متلاحماً منسجماً مثل هذا الشعب؟ من الذي حقق لهم هذا الأمر؟ سيد الشهداء (عليه السلام) هو الذي فعل ذلك. ونحن نلاحظ أن هذه الظاهرة تحصل في بقية البلدان الإسلامية في أيام تاسوعاء وعاشوراء، فتخرج المواكب الحسينية بمنتهى الأبــهة، تخرج بنفس المستوى والمضامين في كل مكان، فمن الذي يستطيع إقامة مثل هذه التجمعات؟ وفي أي مكان من العالم يمكنكم أن تروا أناساً منسجمين مع بعضهم البعض مثل هذا الانسجام.

اذهبوا إلى الهند تلاحظوا ذلك، وانظروا إلى باكستان تروا هذه المواكب، اذهبوا إلى أندونيسيا تشاهدوا نظيرها، واذهبوا إلى العراق تلاحظوا ذلك، وكذلك في أفغانستان وغيرها. من الذي نظم هؤلاء وجعلهم ينتظمون هكذا؟ عليه لا تفقدوا هذا التلاحم ولا تفرطوا به.

في هذه المجالس يقام العزاء وتلقى المراثي على شهادة سيد المظلومين، الذي ضحى بنفسه وبأولاده وأنصاره من أجل رضا الله، وبذلك دفع الشبان للتأثر به، وجعلهم يسارعون إلى الجبهات ويتسابقون نحو نيل الشهادة ويفتخرون بها، وإذا حرموا منها حزنوا وتأثروا، وبذلك أيضاً ظهرت أمهات يقدِّمن أبناءهن شهداء ثم يقلن إننا نملك المزيد من الأولاد ومستعدات لتقديمهم في سبيل الله.

إنها مجالس عزاء الحسين (عليه السلام) ومجالس الأدعية ــ كدعاء كميل وغيره ــ هي التي تبني وتصوغ شخصية هذه الشرائح الاجتماعية هكذا، والإسلام بنى الأساس هكذا منذ البداية وجعل الأمور تسير بهذا النمط وعلى هذه البرامج لكي يحقق التقدم.

*****

والآن ظهرت فئة تقول: كفانا نقيم المجالس ونقرأ المراثي، إنهم لا يعرفون أهميتها ولا يدركون أبعاد ومرامي المواكب والمآتم الحسينية، ولا يعلمون أن ثورتنا هي امتداد لنهضة الحسين (عليه السلام)، وتَبَعٌ لها، وشعاع من أشعتها، هؤلاء لا يَعُونَ أن البكاء على الحسين (عليه السلام) يعني إحياء نهضته وإحياء قضية نهوض ثلة قليلة بوجه امبراطورية كبرى.

فالإمام الحسين (عليه السلام) ثار ومعه مائة قليلة العدد من الأنصار ووقف بوجه امبراطورية كبرى وقال بصوت عال: لا. فيجب أن تستمر حالة الرفض هذه وأن تبقى، وهذه المآتم والمجالس هدفها أن تدوم هذه الــ "لا" كرمز لرفض الظلم.

لا يتصور أبناؤنا وشبابنا أن القضية قضية بكاءٍ لا غير! وأنّنا شعب بكاء! فهذا ما يريد الآخرون تلقيتكم إياه أيها الأخوة كي تتفوهوا به وترددوه، فهم يخافون هذا البكاء لأنه بكاء على المظلوم، وصرخة بوجه الظالم، وهذه المواكب التي تقام وتخرج للعزاء تواجه الظلم وتتحدى الظالمين.

*****

في عهد رضا خان كانت العبارة الرائجة التي يرددها الكثيرون هي: (الشعب البكاء) وذلك من أجل القضاء على مجالس التعزية. ولهذا فقد بادروا إلى منع إقامة هذه المجالس، وكان منعها على يد شخص كان يرتادها ــ بادئ الأمر ــ ويتظاهر بتلك الأعمال[45].

هل كانت القضية قضية منع إقامة مواكب العزاء وحسب، أم أنهم كانوا يرون شيئاً آخر ويريدون تدميره يكمُن وراء تلك المجالس؟ وهل كانت القضية قضية لبس العمامة أو القبعة أم أنها قضية أخرى كانوا يلحظونها فمنعوا لبس العمامة؟

لقد أدرك هؤلاء أن وجود هذه العمامة مضرُ بهم ولا يسمح لهم أن يفعلوا ما يحلو لهم، وأن هذه المجالس ستقوم بعمل ما يمنعهم من القيام بما يريدونه؛ فعندما يكون الشعب في أيام محرم وصفر صفاً واحداً ويتحرك نحو هدف واحد في كل أنحاء البلاد، وحين يتوجه ثلاثون أو خمسة وثلاثون مليوناً في شهري محرم وصفر وخصوصاً في أيام عاشوراء، نحو مقصد واتجاه واحد فبإمكان الخطباء والعلماء أن يعبئوهم ويستثمروا جهودهم لتحقيق قضية معينة. وهذه هي الناحية السياسية لهذه المجالس وهي الأهم من بقية النواحي الموجودة فيها.

*****

إنهم يرددون أن هذه المجالس ــ مجالس العزاء وذكر مصائب المظلوم وجرائم الظالم ــ تتصدى للظالمين وتواجههم في كل عصر ومصر.

*****

إنهم لا يعلمون أن هؤلاء يخدمون هذا البلد والإسلام، وعلى شبابنا أن لا ينخدعوا بتخرصات هؤلاء وادعاءاتهم ــ أيها الشبان ــ إن هؤلاء الذين يلقنونكم بالقول ــ شعبُ البُكاء! شعبُ البُكاء) أناس خونة.

فأسيادهم وكبراؤهم يخشون هذا البكاء، والدليل على ذلك أن رضا خان أقدم على منع كل تلك المواكب والمآتم وهو الآخر كان مأموراً بذلك، والدليل على ذلك أنه عندما نُحِّي عن السلطة قالت بريطانيا عبر إذاعة نيودلهي: إننا نحن جئنا برضا خان إلى السلطة ونحن أزحناه. وحقاً ما قالته بريطانيا.

فقد جاءوا به لقمع الإسلام وكان أحد أساليبه هو منعكم من إقامة هذه المجالس، على شبابنا أن لا يتوهموا بأنهم يقومون بعمل مفيد حينما يدخلون مجلساً ويغادرونه حين يصل الخطيب إلى قراءة المصيبة، قائلين: لا. هذا تصرف خاطئ جداً وينبغي أن تستمر هذه المجالس ويجب أن تُذكر المظالم كي يفهم الناس ماذا جرى وهذا ينبغي أن يجري كل يوم فإن لذلك أبعاداً سياسية واجتماعية.

*****

في المرة الأولى التي اعتقلتني سلطات النظام الملكي وجُلبت من قم إلى طهران، كان الجلاوزة يقولون لي أثناء الطريق: إننا عندما جئنا لإلقاء القبض عليك كنا نخشى أن يطلع على أمرنا أولئك الموجودون في الخيم بمدينة قم فنعجز حينذاك عن القيام بمهمتنا.

وليس هؤلاء وحدهم يخشون رواد المواكب والمآتم، بل إن القوى الكبرى تخشاهم أيضاً، هذه المؤسسات يجتمع لها الناس دون أن يكون وراء ذلك يدٌ تنظم اجتماعهم، تَرى الناس يجتمعون في كل أنحاء البلاد المترامية الأطراف في أيام عاشوراء وخلال شهري محرم وصفر وفي شهر رمضان المبارك فإن المجالس والمواكب والمآتم هي التي تجمع الناس.

وإذا كان هناك موضوع فيه خدمة للإسلام وأراد أمرؤٌ أن يتحدث فيه تسنى له ذلك في أنحاء البلد بواسطة هؤلاء الخطباء وأئمة الجمعة والجماعة وانتشر الموضوع المراد تبليغه للناس مرة واحدة. ولو أرادت القوى الكبرى عقد مثل هذه التجمعات الجماهيرية الكبرى في البلدان التي تحكمها فإن ذلك يحتاج منها إلى أعمال ونشاطات وجهود كبرى تستغرق عدة أيام أو عشرات من الأيام، فمثلاً إذا أرادت عقد اجتماع في مدينة من المدن، يضم مائة ألف أو خمسين ألفاً فإنها تضطر إلى إنفاق مبالغ طائلة وبذل جهود جبارة لجمع الجماهير وجعلها تصغي لحديث من يريد أن يطرح عليهم قضية معينة.

ولكن انظروا إلى هذه المجالس والمواكب التي تجمع الناس إلى بعضهم بعضاً؛ بمجرد أن يحصل أمر يستعدي التجمع والتجمهر، وليس في مدينة واحدة بل في كل أنحاء البلاد.. إنها تجمع كل الفئات والشرائح وتضم جموع المعزين لسيد الشهداء (عليه السلام) دُون الحاجة إلى بذل جهود كبرى وإعلام واسع النطاق.

إن الناس يجتمعون بكلمة واحدة تخرج من فم الحسين (عليه السلام).

 

 

دور العزاء الحسيني في حفظ العباد والبلاد

أحيوا عاشوراء، فبإحيائه يصان بلدكم من كل سوء.

*****

كل هذه الوحدة، وحدة الكلمة التي كانت أساس انتصارنا مصدرها مجالس، العزاء هذه ومجالس التبليغ وترويج الإسلام. لقد أعدّ سيد المظلومين (عليه السلام) لشعبنا وسيلة يجتمع فيها أبناؤه بسهولة ودون عناء.

*****

إن هذا الانسجام الذي يوحد أفراد شعبنا استناداً إلى ما حدث في كربلاء يمثل أكبر واقعة سياسية في العالم تنطوي على آثار نفسية ومعنوية كبرى. فجميع القلوب تتوحد في ذكراها إن عرفنا كيف نستفيد منها. إننا منتصرون بسبب هذا الانسجام، ويجب أن نعرف قيمة هذه القضية، وعلى شبابنا أن يهتموا بها.

إنها المساجد والمآتم والمجالس الأسبوعية، هي التي تجلب انتباه الجماهير وتخلق بينهم هذا الانسجام. ولو أرادت الحكومات الأخرى خلق نوع من الانسجام بين صفوف شعبها لما تيسّر لها ذلك حتى لو أنفقت مئات المليارات من التومانات، في حين أن سيد الشهداء (عليه السلام) كما ترون. أفلا يستحق سيد الشهداء (عليه السلام) والحال هذه أن نبكي عليه ونتأسف لمقتله؟ إن البكاء عليه (عليه السلام) هو الذي حفظنا.

عليكم أن لا تنخدعوا بمزاعم وأحابيل الشياطين الذين يريدون أن يجردوكم من هذا السلاح، ليحذر شباننا من الانخداع بذلك، فهذه الشعائر الحسينية هي التي حفظتنا وصانت البلد.

*****

أجل إن الحق منتصر، لكن للنصر مفاتيحٌ ورموزٌ ينبغي لنا العثور عليها ومعرفتها... علينا أن نعرف رمز بقاء الشيعة طوال الزمن الماضي منذ عصر أمير المؤمنين (سلام الله عليه) حتى الآن....

إن أحد هذه الرموز الكبرى ــ وهو أكبرها ــ قضية سيد الشهداء (عليه السلام)، وإذا أردنا أن يكون بلدنا بلداً مستقلاً وحراً ينبغي أن نحفظ هذا الرمز.

لقد أقيمت هذه المجالس على مر التاريخ بأمر الأئمة (عليهم السلام)، فلا يظنن بعض هؤلاء الشبان بأن المجالس الحسينية ليست إلاّ مجالس للبكاء! وإن علينا الآن أن نكف عن البكاء! فهذا خطأ فادح يقعون فيه.

*****

لقد بلغ شعبنا مرحلة أقدم فيها فجأة على صنع ثورة، وحصل في داخله انفجار قلّ نظيره في كل مكان. كان هذا الشعب يعاني من التبعية في كل شؤونه، يعيش تحت ظل نظام سلبه كل شيء، وقَدّمه للأجانب حتى أفقد البلد عزته ومجده، وفجأة حصل الانفجار الشعبي ببركة هذه المجالس التي عمت البلد من أقصاها إلى أدناها. فكانت تَجْمَعُ الناس وتوجه أنظارهم إلى هدف واحد.

*****

إذا كان هؤلاء وطنيين ــ ولا يهمنا ما إذا كان لهم ارتباط بالله أم لا ــ ويقولون: نحن نريد تحقيق مصلحة الوطن والشعب، فعليهم أن يكثروا من إقامة هذه المجالس والمواكب الحسينية لأنها تحفظ البلد وتصونه.

ليعلم شعبنا قيمة وأهمية هذه المجالس، فهي التي أبقت الشعوب حية، وينبغي أن تزداد هذه المجالس في أيام عاشوراء وتنمو وتنتشر، بل إنها ينبغي أن تُكثّف حتى في باقي أيام السنة. ولو أن هؤلاء المأسورين بالغرب كانوا يعرفون البعد السياسي لها لبادروا هم إلى إقامتها، ولو كانوا يدّعون ــ حقاً ــ السعي لتحقيق مصالح الشعب والبلد لرغبوا هم في إقامتها أيضاً.

*****

هذه المآتم هي التي حفظت شعبنا وصانته، ولم يكن منع رضا خان لها عبثاً بحيث أن جلاوزته من عناصر السافاك[46] قاموا بتعطيلها ومنعوا إقامتها[47]، لم يكن رضا خان مخالفاً لها دون سبب فهو مأمور من قِبَلْ الخبراء الذين يدرسون ويرصدون هذه الأمور. فأعداؤنا كانوا قد درسوا أوضاع الشعوب وأمعنوا النظر في أصول الشيعة، فوجدوا أنه ما دامت هذه المجالس موجودة ومادامت هذه المراثي تُقرأ على المظلوم ومادامت تقوم بفضح الظالم وكشف ممارساته، فلا يمكنهم بلوغ غاياتهم وتحقيق أهدافهم الخبيثة.

ولذلك فقد منعوا ــ في عهد رضا خان ــ إقامة المواكب والمجالس الحسينية وحظروا على الخطباء ارتقاء المنابر وممارسة الخطابة والتبليغ، وشنّوا هم حملة تبليغ شعواء فأعادوا القهقرى ونهبوا كل ثرواتنا.

أما في زمان ابنه محمد رضا (المقبور) فإنهم بادروا إلى تطبيق المنهج نفسه ولكن بصيغة أخرى، وليس بقوة الحراب، بل باستغفال شباننا وحرفهم، ليتم بذلك القضاء على هذا المذهب. فالقضية لم تختلف عن عصر رضا خان ولكن الأسلوب اختلف هذه المرة.

*****

عليكم أن تدركوا بأنه لو لم تكن هذه المواكب موجودة ولو لم تكن هذه المجالس والمراثي مقامة فإن انتفاضة 15 خرداد [5 حزيران 1963] ما كان يمكن لها أن تحصل.

لم يكن بإمكان أي شيء أن يصنع انتفاضة (15 خرداد) سوى دم سيد الشهداء (عليه السلام)، وليس بإمكان أية قوة أن تحفظ هذا الشعب الذي هجمت عليه القوى العدوانية من كل حدب وصوب، ولا بإمكان أية قوة أن تحبط المؤامرات التي حاكتها ضده القوى الكبرى سوى هذه المآتم والمواكب: مواكب العزاء الحسيني.

*****

لا تَدَعُوا التظاهرات والمسيرات تَحِلُّ محل مواكب العزاء والمآتم، لا تسمحوا لهم أن يسلبوكم العزاء الحسيني، أقيموا المواكب الحسينية، ثم سيروا في تظاهرات حسينية واعقدوا التجمعات للمآتم.

وعندما تطرح كلمة التظاهرات فلا تظنوا أننا لم نعد نريد المواكب الحسينية، إننا نستطيع أن نؤدي أعمالنا ونحقق أهدافنا بتطبيق الإسلام وبالأساليب الإسلامية وبتكريم شهداء الإسلام، وإلاّ فلا مدافعنا ولا دباباتنا يمكن أن تُقاس بدبابات أمريكا ومدافعها، أو دبابات روسيا ومدافعها.

 

الاحتفاء بذكرى نهضة عاشوراء من الشعائر الإلهية

ينبغي أن تقام مجالس العزاء لسيد المظلومين والأحرار (عليه السلام) ــ وهي مجالس غلبة العقل على الجهل، وغلبة العدل على الظلم، والأمانة على الخيانة، والحكومة الإسلامية على حكومة الطاغوت ــ بكل حفاوة وبكل عظمة وروعة، ويجب أن تنتشر بيارق عاشوراء الحمراء للدلالة على حلول يوم انتقام المظلوم من الظالم.

*****

... وأن لا يغفلوا عن إقامة مراسم عزاء الأئمة الأطهار (عليهم السلام) وخصوصاً سيد المظلومين والشهداء الإمام الحسين (صلوات الله والأنبياء والملائكة والصلحاء على روحه الزّكية العظيمة).

*****

حافظوا على مجالس العزاء وأقيموها بأروع مما كانت تقام في السابق.

*****

اهتموا بمجالس العزاء... واستعينوا بالله على المحافظة على المواكب وأقيموها بالشكل المناسب.

*****

ينبغي لكم أن تحافظوا على مجالس عزاء الأئمة الأطهار (عليهم السلام)؛ فهذه المجالس هي شعائرنا الدينية التي يجب أن نحافظ عليها. وهذه المجالس هي شعائر سياسية أيضاً ينبغي المحافظة عليها. ولا يغرر بكم هؤلاء المتلاعبون بالأقلام، ولا يستغفلكم هؤلاء الأشخاص ذو الأسماء المختلفة والأهداف الانحرافية فهم يريدون أن يأخذوا منكم كل شيء.

*****

يجب أن تبقى المجالس الحسينية ومواكب العزاء على حالها، وينبغي أن يحيي الخطباء ذكرى شهادة الإمام الحسين (سلام الله عليه)، وليعِ الشعب قيمة هذه الشعائر الإسلامية، وليهتموا بهذه المآتم خصوصاً، فبإحياء ذكرى سيد الشهداء (عليه السلام) يحيى الإسلام.

*****

علينا أن نحافظ على هذه السنن الإسلامية، وينبغي لنا أن نحافظ على هذه المواكب الإسلامية المباركة التي تنطلق في عاشوراء، في محرم، وفي صفر، وفي المناسبات، ونؤكد على الالتزام بها أكثر فأكثر فتضحية سيد الشهداء (سلام الله عليه) هي التي حفظت لنا الإسلام.

ينبغي إحياء ذكرى عاشوراء بنفس الأسلوب التقليدي، وبنفس الطريقة السابقة، وليعمل بذلك العلماء والخطباء وعامة الناس، بحيث تخرج المواكب المعظمة والمنظمة وتسير في الشوارع على شكل مظاهرات، ينبغي أن تعلموا أنكم إذا أردتم أن تبقى نهضتكم محفوظة وثورتكم مصانة فيجب أن تبقى هذه السنن مصانة وأن تظلوا ملتزمين بها.

*****

تكليف السادة (الخطباء) يقتضي أن يقرؤوا المراثي، وتكليف الناس يقتضي أن يخرجوا في المواكب الرائعة ومواكب اللّطم، وطبعاً ينبغي أن يجتنبوا الأعمال غير الصحيحة والمخالفات، ولكن لتخرج المواكب ولتلطم الصدور، وليفعلوا ما كانوا يفعلونه سابقاً. وليعقدوا اجتماعاتهم، فهذه الاجتماعات هي التي حفظتنا، وهذا الانسجام والتلاحم هو الذي صاننا.

إن بعض الأشخاص يريدون أن يخدعوا شبابنا الأعزاء ذوي القلوب الصافية، فيهمسون في آذانهم قائلين: حتى مَ نبكي؟! ولِمَ البكاء؟! ماذا نريد أن نجني من هذا البكاء؟!.

*****

ينبغي أن لا تتحول هذه المواكب التي كانت تخرج في أيام عاشوراء إلى مسيرات وتظاهرات، فهي بحدّ ذاتها عبارة عن تظاهرات تنطوي على محتوى سياسي، ولكن لا يظن الناس بأننا نريد تحويلها عن صفتها السابقة ونكتفي بالمسيرات، بل إنها يجب أن تبقى على حالها السابق، بل وأكثر من السابق.

إن مواكب اللطم هذه هي التي تمثل رمزاً لانتصارنا، لتُقَم المآتم والمجالس الحسينية في أنحاء البلاد، وليلقِ الخطباء مراثيهم وليبكِ الناس.

*****

عندما تخرج الجموع في يوم عاشوراء فلتكن مراسم التعزية في ذكرى استشهاد الحسين (سلام الله عليه) بنفس الحرارة والأسلوب الذي كانت تقام به في السابق، وليكن مضمون كل المسيرات والمراسم خاصاً بالإمام الحسين (عليه السلام).

*****

ندعو الله أن يوفق شعبنا لإقامة مراسم العزاء في ذكرى واقعة عاشوراء وفق الأساليب السابقة والسنن التقليدية ولتكن المواكب بنفس قوتها السابقة، ولتمارس مواكب اللّطم والردات والشعارات الحسينية ما كانت تمارسه في السابق، واعلموا أن حياة هذا الشعب رهينة بهذه المراسم والمراثي والتجمعات والمواكب.

*****

وصايا للخطباء وقُرّاء المراثي وجموع المعزين

يجب التذكير بالمصائب والمظالم التي يرتكبها الظالمون في كل عصر ومصر وإيرادها في القصائد والأشعار التي ينظمها الشعراء في مدح ورثاء أئمة الحق (سلام الله عليهم) بشكل حماسي.

وفي هذا العصر ــ الذي هو عصر مظلومية العالم الإسلامي على يد أمريكا وروسيا وسائر عملائها ومن جملتهم آل سعود[48] خونة الحرم الإلهي العظيم "لعنة الله وملائكته ورسله عليهم" ــ ينبغي التذكير بقوة وحزم بهذه المظالم وصب اللعنات عليهمز

*****

ليهتم خطباء المنابر ــ أيّدهم الله ــ وليسعوا في دفع الناس إلى القضايا الإسلامية وإعطائهم التوجيهات اللازمة في الشؤون السياسية ــ الإسلامية والاجتماعية ــ الإسلامية، وليتمسكوا بالمراثي والخطابة، فنحن أحياء بهذه المراثي.

*****

على الخطباء أن يتلوا المراثي كما كانوا يفعلون في السابق، وليُعِدّوا الناس للتضحية والفداء.

*****

على الخطباء أن يقرؤوا المراثي في آخر الخطابة ولا يختصروه بكلمتين ويكتفوا بذلك، بل ليتحدثوا كثيراً عن مصائب أهل البيت كما كانوا يفعلون في السابق، لتُقْرَأ المراثي ولتلق الشعارات والأحاديث في مدح وذكر فضائل ومصائب أهل البيت (عليهم السلام)، كي يصبح الناس على أهبة الاستعداد، وليكونوا حاضرين في ميادين الأحداث، وليعلموا بأن أئمتنا قد أنفقوا كل أعمارهم لنشر الإسلام وترويجه.

ولو شاءوا أن يداهنوا لحصلوا على جميع الإمكانات المادية، ولكنهم ضحّوا بأنفسهم من أجل الإسلام ولم يداهنوا الظلمة.

*****

ينبغي أن أتحدث هنا بخصوص المآتم والمجالس الحسينية التي تقام باسم الحسين بن علي (عليه السلام)، فلا نحن ولا أي متدين نقول أن كل ما يفعله أي شخص باسم الحسين عمل صحيح وجيد. فكثيراً ما عدّ بعض العلماء الكبار بعض هذه الأعمال أعمالاً منحرفة وسيئة ومنعوا مزاولتها والقيام بها.

وكلنا يعلم أنه خلال العشرين وبضع سنين الماضية منع العالم العامل الجليل المرحوم الحاج الشيخ عبدالكريم[49] الذي كان من أبرز علماء الشيعة، منع الشيعة ــ تمثيل وقائع وشخوص يوم عاشوراء ــ وأبدل أحد أكبر المواكب التي كانت تقام له إلى مجلس للتعزية والمراثي، وهكذا فعل باقي العلماء بالأعمال والممارسات التي تتعارض مع الأوامر الدينية والضوابط الشرعية، وما زالوا يمنعون مزاولتها.

*****

ينبغي أن تعلموا أنكم إذا أردتم الحفاظ على نهضتكم، فيجب أن تحافظوا على هذه الشعائر والسنن، وطبعاً فإنه إذا كانت هناك أعمال وممارسات منحرفة وخاطئة يرتكبها أشخاص غير مطلعين على المسائل الإسلامية فيجب أن تتم تصفيتها، لكن المواكب والمآتم ينبغي أن تبقى على قوتها.

*****

من يستطيع تنظيم مثل هذه المواكب بهذه العظمة ــ طبعاً ينبغي أن تصفى من الممارسات والأعمال غير الشرعية وتصان النواحي الشرعية فيها ــ من يستطيع إخراجها بمثل هذا المحتوى وإقامتها في كل مكان، من يمكنه عقد مثل هذه التجمعات؟!

*****

شذرات من توجيهات سماحة الإمام (س) بشأن محرم ونهضة كربلاء

أحيوا ذكرى نهضة كربلاء والاسم المبارك للحسين بن علي (عليه السلام)؛ فبإحياء ذكراه يحيا الإسلام.

*****

إن دماء سيد الشهداء هي التي جعلت دماء الشعوب الإسلامية تغلي.

*****

إن هذه الوحدة ــ وحدة الكلمة التي هي مبدأ وأساس انتصارنا ــ هي من آثار ونتائج مجالس العزاء هذه مضافاً إلى ما تحققه من تبليغ ونشر للإسلام.

*****

محرم هو شهر النهضة الكبرى لسيد الشهداء والأولياء (عليهم السلام)، الذي علّم البشر ــ عبر قيامه في مقابل الطاغوت ــ الثورة والنهضة والبناء، وأراهم أن سبيل فناء الظالم وطريق تدمير الطاغوت يكمن في التضحية والفداء، وهذا بحد ذاته أحد أهم تعاليم الإسلام وتوجيهاته لشعبنا حتى آخر وهلة من حياته.

*****

محرم هو الشهر الذي شهد نهضة العدالة في مقابل الجور، والحق في مواجهة الباطل، وأثبت أن الحق منتصر على الباطل طوال التاريخ.

*****

المجالس التي تعقد في ذكرى استشهاد سيد المظلومين والأحرار (عليه السلام) هي مجالس غلبة جنود العقل على الجهل والعدل على الظلم والأمانة على الخيانة، والحكومة الإسلامية على حكومة الطاغوت. وينبغي أن تعقد هذه المجالس بروعة وازدهار وتنتشر بيارق عاشوراء الحمراء كرمزٍ لحلول يوم انتقام المظلوم من الظالم.

*****

إن الثورة الإسلامية في إيران شعاعٌ من عاشوراء والثورة الإلهية العظيمة التي وقعت فيه.

*****

شهر محرم بالنسبة لمذهب التشيع شهر كان فيه النصر مقروناً بالتضحية والدم.

*****

محرم وصفر هما اللذان حفظا الإسلام.

ينبغي لنا إحياء محرم وصفر بذكر مصائب أهل البيت (عليهم السلام)؛ فبذكر مصائبهم بقي هذا الدين حياً حتى الآن.

*****

لقد ضحى سيد الشهداء (عليه السلام) بنفسه من أجل الإسلام.

*****

صحيح أنهم قتلوا سيد الشهداء (عليه السلام)، لكن القتل كان طاعةً لله، وفي سبيل الله، وكان القتل يمثل بالنسبة له (عليه السلام) أوج العزة والكرامة، ولم يصب بانكسار أو هزيمة من هذه الناحية.

*****

سيد الشهداء (عليه السلام) ــ كذلك ــ انكسر في كربلاء من الناحية العسكرية، لكنه لم يُمْنَ بالهزيمة والفشل بل أحيى العالم كله.

*****

إن سيد الشهداء (عليه السلام) لبى صرخة الإسلام واستجاب لاستغاثته وأنقذه.

*****

تضحية سيد الشهداء (عليه السلام) هي التي حفظت لنا الإسلام.

*****

من الضروري أن تذكر في القصائد والأشعار التي تنظم لمدح ورثاء أئمة الحق (عليهم السلام) المصائب والمآسي وظلم الظالمين في كل عصر ومصر.

*****

لا تظنوا أن انتفاضة 15 خرداد [5 حزيران] كان يمكن أن تقع لولا مجالس العزاء ومواكب اللّطم والمراثي.

*****

إنكم تلاحظون أن خير خلق الله في عصره سيد الشهداء (سلام الله عليه) وشبان بني هاشم وأصحابه، استشهدوا وغادروا هذه الحياة، ولكن عندما جرى ذكرهم في مجلس يزيد أقسمت زينب (سلام الله عليها): "ما رأيت إلاّ جميلاً".

إن استشهاد الإنسان الكامل يعتبر في نظر أولياء الله شيئاً جميلاً، لأن الحرب والنهضة كانتا في سبيل الله تبارك وتعالى.



[1] كان عدد أنصار الإمام الحسين (ع) في حربه مع جيش امبراطور زمانه (يزيد بن معاوية) 72 نفراً، في حين بلغ تعداد جند يزيد عشرات الآلاف. واستشهد في هذه الملحمة الدموية الإمام الحسين (عليه السلام) مع جميع أنصار، وأقدم الأعداء على أسر أهل بيته.

[2] هو جعفر بن محمد الصادق عليه السلام سادس أئمة الشيعة في العالم (83 ــ 148هــ ق). كان له دور استثنائي في إحياء المعارف الإسلامية الأصيلة وتشكيل الحوزات الدراسية العديدة وتربية وتعليم الطاقات المؤمنة وذلك بسبب ظروف زمانه حتى عرف مذهب الشيعة بالمذهب الجعفري تيمناً باسمه.

[3] ثار الإمام الحسين بن أمير المؤمنين (عليهما السلام) والذي يعتبر ثالث إمام للشيعة، في عام 61 هجري قمري ضد الحكم الفاسد ليزيد بن معاوية (حاكم زمانه). وتمت المعركة بين العدد القليل لجند الإمام وبين جند يزيد في أرض يقال لها كربلاء. واستشهد في هذه المعركة التاريخية كلاً من الإمام الحسين (عليه السلام) وأولاده وأنصاره البالغ عددهم 72 شخصاً، وقام جند يزيد بأسر أهل بيته.

[4] قام رضا خان والد ملك إيران السابق (محمد رضا) بانقلاب عسكري في عام 1299هــ ش (1920م) وتربع على عرش الحكم في إيران عام 1304هــ ش (1925م) وذلك بموجب الخطة التي وضعتها الحكومة الإنجليزية. وأول عمل قام به بعد توليه العرش هو منع تدريس القرآن والتعاليم الدينية وإقامة صلاة الجماعة في المدارس. كما منع أقامه المراسم الدينية في كل أنحاء إيران وإقامة مجالس العزاء بل حتى إنه وضع قيوداً على إقامة مجالس الفاتحة.

[5] يقصد الإمام "محمد رضا" ملك إيران السابق الذي هرب من البلاد 16/1/ 1979 إثر تصاعد الثورة الإسلامية في إيران والتزاماً بنصيحة الحكومة الأمريكية. وقد تم تنصيبه على العرش بواسطة قادة الحلفاء بتاريخ 16/9/1941 بعد عزل والده، حكم إيران 37 سنة أي حتى عام 1978م. ومثل عهده، عهد حكم الاستعمار الإنجليزي ثم الحكم المطلق للامبريالية الأمريكية التي نهبت الثروات المادية والمعنوية لإيران.

[6] جزء من حديث وارد عن الإمام الصادق عليه السلام سادس أئمة الشيعة في العالم.

[7] بتاريخ 5/11/1941 وبعد شهرين من هروب رضا خان تحدثت إذاعة لندن في واحد من تحليلاتها السياسية علانية عن الصداقة المقصودة وغير المقصودة مع إيران والمجيء بحكومة رضا خان، حيث قالت: تقوم السياسة الإنجليزية في إيران على الصداقة غير المقصودة والصداقة المقصودة. والصداقة غير المقصودة مع الشعب الإيراني خاصة بالعلماء، أما صداقة الحكومة الإنجليزية مع إيران ومع أية دولة أخرى فإنها لا تخلو من قصد ولا يمكنها أن تكون كذاك... وبعد أن شاهدنا كيف أساء الشعب الإيراني الظن باتفاقية (1919) وكان يعتبرها بأنها قائمة على نوايا فاسدة، فإننا ألغينا تلك الاتفاقية وقمنا بدلاً عنها بدعم الحكومة الإيرانية ومساعدتها لتحقيق النظم في البلاد. وهذا هو سِرّ دعم رضا شاه ومساعدته... وكان الأعداء يوحون بأننا نوجه رضا شاه وإنه يأتمر في كل شيء بأوامرنا، ولكن الأمر لم يكن كذلك! بَيْدَ أننا قمنا بهذا العمل... (نفي رضا خان) خلافاً لرغبته وذلك عندما شعرنا بأن مصالحنا مهددة بالخطر بسبب وقاحة الألمان وغفلة الملك.

[8] الحكم الأموي (بني أمية) هم حكام الإسلام من نسل أمية، سيطروا على زمام حكم الممالك الإسلامية بعد الخلفاء الراشدين في عام 40 هجري (662 ميلادي) واستمر حكمهم حتى عام 132 هجري (750 ميلادي). وكان معاوية بن أبي سفيان المؤسس لدولة بني أمية حيث أحيا هو وأهل بيته من جديد النظام الإقطاعي والحكم الملكي الوراثي الذي يعارض بوضوح معتقدات المسلمين. وحدثت في عالم الإسلام خلال العصر الأموي وقائع أليمة منها المجازر والسجن والنفي ضد أتباع أهل بيت النبي واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) بواسطة عمّال يزيد (ابن معاوية).

[9] الحكم العباسي (بني عباس) هم سلسلة ما يسمى بالخلفاء المسلمين من أولاد العباس بن عبد المطلب ومؤسس هذه السلسلة هو عبدالله السفاح الذي ثار بدعم من الإيرانيين ضد جور وظلم خلفاء بني أمية واستلم خلافة الممالك الإسلامية. وحكم من بني العباس 36 "خليفة" منذ عام 132هــ ق وحتى عام 656هــ ق (750ــ1258م). وسيطروا على جزء من الممالك الإسلامية وآسيا الغربية.

[10] تم اعتقال الإمام لأول مرة في الساعة الثالثة والنصف ليل الخامس من خرداد 1342هــ ش (5 حزيران 1963). وسبب اعتقاله هو الخطاب الحماسي والشديد الذي ألقاه عصر يوم الثالث عشر من خرداد بمناسبة يوم عاشوراء (محرم 1383).

وأشار الإمام في خطابه إلى الملك وإسرائيل معتبراً إياهما أساس المشاكل التي يعاني منها الشعب الإيراني. وأدى انتشار خبر اعتقال الإمام إلى إثارة سخط الشعب الشديد، وكان سبباً للانتفاضة الشاملة والشعبية بتاريخ 15 خرداد، فسالت الدماء بسبب قمع جنود الملك وعملائه. واستمر اعتقال الإمام (قده) مدة عشرة أشهر، واضطر نظام الشاه أخيراً بسبب ضغوط الرأي العام إلى إطلاق سراحه بتاريخ 7 نيسان 1964م.

[11] هو محمد بن علي الملقب بالباقر (عليه السلام) خامس إمام للشيعة في العالم (57هــ ق 114هــ ق). وعاش الإمام 57 سنة حياةً مباركة، واستمرت إمامته مدة 19 سنة. وأطلق عليه لقب "باقر العلوم" بسبب تبحره في العلوم القرآنية والمعارف الإسلامية. وكان الناس يحبونه كثيراً لما له من نفوذ واسع بينهم. ويستنبط من بعض النصوص أن قيادته الجماهيرية شملت مجالاً أوسع من عالم الإسلام.

[12] "منى": مكان بالقرب من مكة يمارس فيه الحجاج الهدى.

[13] وجد النظام الملكي.. ومن أجل منع اتساع نهضة الإمام الخميني (س) أن لا سبيل أمامه سوى اعتقال الإمام وسجنه وذلك بعد دراسة الموضوع واستشارة حماته الغربيين، وقام جلاوزة الملك بمداهمة بيت الإمام في تمام الساعة الثالثة والنصف بعد منتصف ليل الخامس عشر من خرداد (5 حزيران 1963) واعتقاله ونقله إلى طهران.

وانتشر خبر اعتقال الإمام خلال مدة قصيرة في كل أنحاء البلاد. وخرجت الجماهير إلى الشوارع بمجرد سماعها بالخبر وذلك صباح يوم الخامس عشر من خرداد لتعبر عن استنكارها لهذا الأمر. وقامت أكبر مظاهرة في مدينة قم حيث استشهد فيها عدد كبير من المتظاهرين بسبب تدخل الجيش، وأعلن نظام الملك الأحكام العرفية في طهران، واشتدت عمليات قمع المتظاهرين في ذلك اليوم واليوم الذي تلاه وقتل وجرح جلاوزة الحكم الآلاف من الأبرياء. وبسبب عظمة هذه الفاجعة فقد وصلت أخبارها إلى خارج إيران ولم تتمكن ملايين الدولارات التي كان الملك ينفقها سنوياً في مجال الإعلام والدعاية من التعتيم على خبر هذه الفاجعة الأليمة.

وفي بيان للإمام الخميني بعد انتصار الثورة الإسلامية وفي الخامس عشر من خرداد (1979) وصف سماحته يوم 5 حزيران 1963 بأنه البداية للثورة الإسلامية، وأعلن أن ذكرى 15 خرداد (5 حزيران) ستبقى يوماً للحداد العام إلى الأبد.

[14] دعاء كميل من الأدعية المشهورة، ينطوي على مفاهيم سامية. والدعاء المذكور بموجب الروايات الواردة هو دعاء الخضر (ع) وقام الإمام علي (ع) الإمام الأول للشيعة في العالم بتعليمه إلى كميل بن زياد الذي كان يعد من خواص الأصحاب للإمام. ويُقرأ دعاء كميل في ليالي الجمع وليلة النصف من شعبان (يوم ولادة صاحب العصر والزمان المهدي الموعود) للحفظ من شر الأعداء وفتح أبواب الرزق وغفران الذنوب.

[15] هو علي بن الحسين (ع) الملقب بزين العابدين والمشهور بالإمام السجاد (عليه السلام) رابع إمام للشيعة في العالم. ولادته 38هــ ق / 658م، ووفاته 94 هــ ق / 712م.

عاش الإمام السجاد أسوأ العهود التي مرت على أهل البيت (عليهم السلام)، وأدى قيام والده والنهاية المأساوية لتلك الانتفاضة في كربلاء إلى إحساس الناس بالخطيئة وشعورهم بالحقد والاشمئزاز من بني أمية. وسخر الإمام السجاد (ع) هذا الإحساس والعامل النفسي لتنفير المسلمين من بني أمية وتوسيع دائرة الجهاد ضدهم، وحاول أن يبقي هذا الشعور بالذنب مشتعلاً وزاد في لهيبه. وكانت إحدى الطرق التي استخدمها من أجل الوصول إلى هذا الهدف هو أسلوب الدعاء. والأدعية الواردة عنه لها نوع من المعاني التي تكشف عن الأحداث الحاصلة في عصره وتحمل مفاهيم عظيمة في الدعوة وبناء أساس الأمة. وإن كتاب الصحيفة السجادية المعروفة بــ "زبور آل محمد" هو من آثار ذلك الإمام الهمام. وهذا الأثر يعد ثورة فكرية تختلف عن بقية الآثار لشموله على القواعد الأخلاقية والمبادئ والفضائل وعلوم التوحيد وغير ذلك.

[16] استشهد الإمام الحسين (عليه السلام) مع 72 نفراً من أنصاره في اليوم العاشر من المحرم عام 61 هجري قمري (680م)، وأطلق منذ ذلك التاريخ اسم "عاشوراء الحسين" أو "عاشوراء" على ذلك اليوم، ويقيم الشيعة مجالس العزاء في العشرة الأولى من المحرم في كل سنة.

[17] في عام 60هــ ق تربع يزيد بن معاوية (26هــ ق ــ 62هــ ق) على عرش الخلافة بعد والده، وكان شاباً لا يملك من العلم والفضيلة أي شيء، واشتهر بالفسق والفجور. استمر حكمه مدة ثلاث سنوات ونصف، إذ قتل في السنة الأولى الحسين بن علي (عليه السلام) مع أصحابه وأنصاره، واستباح في السنة الثانية المدينة المنورة (محل حكم الرسول الأعظم (ص) ومكان دفنه)، وهجم في السنة الثالثة على مكة المكرمة.

[18] هي زينب (سلام الله عليها) الوليد الثالث للإمام علي (ع) وفاطمة الزهراء (سلام الله عليها). ولادتها عام 6هــ ق ــ وفاتها عام 65هــ ق. عاصرت زينب (سلام الله عليها) الأحداث التي جرت في عهد إمامة والدها وشقيقها الأكبر الإمام الحسن (ع) واستشهادهما. وحضرت فاجعة كربلاء وشاهدت استشهاد أخيها وأبناء أخيها وأبنائها، وتبنت مسؤولية الإشراف على قافلة الأسرى بصبر لا نظير له وروحية كبيرة، وذلك عندما قام جيش يزيد بأسر عوائل الشهداء والمتبقين منهم عصر يوم عاشوراء، وأوصلت نداء شهداء كربلاء إلى أغلب الذين واجهتهم على طول الطريق الذي قطعته القافلة من كربلاء إلى الكوفة أولاً ثم إلى الشام (مقر سلطة يزيد) ثانياً. وإن خطبها الثورية والمؤثرة في مجلس عبيد الله بن زياد (حاكم الكوفة) ويزيد (خليفة زمانه) معروفة للجميع.

[19] بعد انتصار الثورة الإسلامية في 22 بهمن هــ ش [11 شباط 1979]، فإن الاستكبار العالمي بزعامة أمريكا وضع ونفذ العديد من الخطط والمؤامرات للقضاء على الثورة الإسلامية الفتية، وكان من بينها ــ إضافة إلى إيجاد الفرقة ــ التخطيط لانقلاب عسكري وفرض الحرب التي استمرت مدة ثمان سنوات والقيام بتفجيرات واغتيالات بواسطة عملائه المتغلغلين [منظمة مجاهدي خلق]، وخسرت الجمهورية الإسلامية خلال هذه العمليات اللاإنسانية عدداً من أفضل مؤيديها ومسؤوليها.

وكان من بين أولئك الشهداء، الشهيد آية الله مدني إمام جمعة تبريز، والشهيد آية الله دستغيب إمام جمعة شيراز، والشهيد آية الله صدوقي إمام جمعة يزد، والشهيد آية الله أشرفي أصفهاني إمام جمعة كرمانشاه.

[20] هو جزء من شعر عبدالله بن الزبعري الذي يقول فيه: لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل. وقيل أن يزيد (لعنة الله عليه) استشهد بهذه الأبيات عندما دخل عليه أهل بيت العصمة والطهارة في الشام وكانت بيده عصا يضرب بها على الثغر الطاهر للإمام الحسين (ع).

[21] هاجم جنكيز خان قائد المغول في عام 616هــ ق رافعا شعار "أنا عذاب الله" المدن الإيرانية التي كانت عامرة بأهلها في ذلك اليوم، وقام أولاً بقتل سكان المدن المكتظة من الشبان والشيوخ والكبار والصغار مثل مرو وبخارى ونيشابور وري وقم وآذربيجان وخيوه، ثم قضى على جميع الكائنات الحية وأحرق الأشجار، ودمر كل ما يشير إلى التمدن كالمكتبات والمدارس والمساجد والأبنية والبيوت والبساتين والدكاكين، ثم حرث تلك الخرائب وفتح عليها الماء وقام بزراعتها.

[22] يقصد الإمام (رضوان الله عليه) رضا خان بهلوي وولده محمد رضا.

[23] ورد عن الرسول الأكرم (ص) قوله: "السلطان العادل المتواضع ظل الله ورمحه في الأرض. والسلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه الضعيف وبه يُنصر المظلوم".

واستغل أغلب حكام الجور والسلاطين المستبدين والقادة الفاسدين في البلدان الإسلامية هذه التعابير الجميلة للنبي الأعظم (ص) وذلك بسبب جهل عامة الناس وانخفاض مستوى إدراكها السياسي، وأطلقوا على أنفسهم لقب "ظل الله" في الأرض رغم الظلم والفساد الواسع الذي كانت تمارسه حكوماتهم!.

[24] أقام نظام الشاه بتاريخ 12 أكتوبر 1971 أكثر الاحتفالات في التاريخ إنفاقاً، يعني احتفالات ذكرى مرور 2500 سنة على الامبراطورية الفارسية، وقرر مجلس النواب ومجلس الشيوخ في اجتماع مشترك في الذكرى السنوية لولادة رضا خان بتغيير التاريخ الرسمي الإيراني من الهجري الشمسي إلى التاريخ الملكي، أي أن يبدأ التاريخ منذ تشكيل الملكية في إيران وبداية عهد الحكم الحخامنشي بواسطة كورش ويقارن ذلك عام 529 قبل الميلاد. وهكذا نرى أن الملك كان يفتخر بــ 2500 سنة من التمدن الملكي وذلك رغم الفقر والحرمان الذي كان يعاني منه أغلب أبناء الشعب الإيراني ومنع أي نوع من النشاط السياسي وسيطرة الإرهاب على جميع المجالات.

[25] إن بني أمية (الأمويين) وبني هاشم (الهاشميين) هما من فروع عبد مناف من قبيلة قريش. وبمجرد أن بعث الرسول الأكرم (ص) من بين الهاشميين أصيب الأمويين بالذهول وبدؤا يحاربون الرسول حتى إنهم أجبروه على الهجرة.

التحق بنو هاشم في المدينة بالرسول، ووقعت مكة بيد بني أمية وخضعت كل قريش لهم. وأدى انتصار الرسول وخسارة قريش إلى أن يصبحوا مسلمين جميعاً، لكن عداوة بني أمية لبني هاشم (عشيرة الرسول) استمرت إلى ما بعد ذلك، وتحمل الإسلام على طول التاريخ ضربات شديدة بسبب هذه العداوة.

[26] نقل أن الإمام الحسين (عليه السلام) خطب في أصحابه وأصحاب الحر في منطقة "البيضة"، وبعد الثناء والمديح لله، قال: "أيها الناس قال رسول الله (ص): من رأى منكم سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنة رسول الله يعمل في عباده بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله". راجع تاريخ الطبري: ج4، ص394.

[27] تقول الآية 25 من سورة الحديد: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز}.

[28]روي عن الإمام الحسين (عليه السلام) أنه وقف خطيباً في منطقة "ذي حسم"، فقال: "أما بعد فقد نزل من الأمر بنا ما ترون، وإنَّ الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبَرَ معروفُها، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون إلى الحق لا يعمل به، و إلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله، فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً". راجع تحف العقول: ص249.

[29] ثمة روايات عديدة تشير أن الله جل جلاله أخبر الأنبياء بشهادة الإمام الحسين (ع)، وأشار الرسول الأكرم (ص) والأئمة الأطهار (ع) إلى ذلك أيضاً.

وفي رسالة شخصية بعثها الإمام الحسين (ع) إلى واحد من بني هاشم: "أما بعد فمن لحقني فقد استشهد ومن لم يلحق بي لم يبلغ الفتح.. والسلام". راجع اللهوف على قتلى الطفوف: ص69.

[30] أرسل الإمام الحسين (ع) ابن عمه مسلم بن عقيل الذي كان من الأبطال والعلماء وأصحاب الرأي إلى الكوفة ليأخذ البيعة من الناس للإمام (ع)، وتمكن مسلم أن يأخذ من أهل الكوفة 18000 بيعة للإمام الحسين (ع)، وكتب له رسالة يدعوه للتحرك نحو الكوفة. ومع دخول عبد الله بن زياد إلى الكوفة وتعيينه من قبل يزيد حاكماً لها تفرق الناس عن مسلم وتركوه وحيداً، واستغل عبدالله بن زياد الظرف الحاصل ودعا الناس إلى عدم مبايعة الإمام الحسين (ع) وقتل مسلماً.

وقد استشهد مسلم بن عقيل (ع) في التاسع من ذي الحجة عام 60 للهجرة (680م).

[31] قال الإمام السجاد عليه السلام: "ولما اشتد الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالب نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم، لأنهم كلما اشتد الأمر تغيرت ألوانهم وارتعت فرائصهم ووجلت قلوبهم، وكان الحسين (ع) وبعض من معه من خصائصه تشرق ألوانهم وتهدئ جوارحهم وتسكن نفوسهم". راجع بحار الأنوار: ج44، ص297، ومعاني الأخبار: ص 288.

[32] قبل أن يخرج الإمام الحسين (ع) من المدينة وبعد أن زار قبر جده رسول الله الأكرم (ص)، أخذته غفوة عند القبر الشريف. قال عليه السلام في هذه اللحظات: "فجاءه النبي وهو في منامه، فأخذ الحسين وضمه إلى صدره وجعل يقبل بين عينيه ويقول: بأبي أنت كأني أراك مرملاً بدمك بين عصابة من هذه الأمة يرجون شفاعتي ما لهم عند الله من خلاق. يا بني إنك قادم على أبيك وأمك وأخيك وهم مشتاقون إليك، وإن في الجنة درجات لا تنالها إلا بالشهادة".

[33] تاريخ الطبري: ج4، ص308.

[34] عندما شاهد أبو تمامة الصائدي أصحاب الإمام الحسين عليهم السلام وهم يستشهدون الواحد تلو الآخر، قال له: يا أبا عبدالله روحي لك الفدا، أرى جيش العدو يقترب منكم. وأقسم أنك لن تقتل قبل أن أقتل أنا إن شاء الله، كما أحب أن أصلي قبل أن أذهب إلى جوار الله.. أما الحسين (ع) فقد رفع رأسه إلى السماء، وقال "ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلين الذاكرين. نعم هذا أول وقتها". ثم قال: "سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي". راجع تاريخ الطبري: ج4، ص334.

[35] كان أبو سفيان رئيساً لقبيلة قريش وأعدى الأعداء للرسول الأكرم (ص)، وكان يقود الكفار والمشركين لمخالفة الإسلام وإلحاق الأذى بالمسلمين. ولم يسلم حتى انتصار المسلمين وفتحهم لمكة. وتفيد الروايات الموجودة أنه آمن ظاهراً ولم يعتقد بالإسلام في باطنه. راجع هامش رقم 8 و20.

[36] يقصد الإمام من البهلويين، رضا شاه بهلوي ومحمد رضا شاه بهلوي.

[37] يقصد الإمام حرب صفين، إذ قام أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) في بداية إمامته بعزل معاوية الذي كان يحكم الشام منذ زمن الخليفة الثاني.

وقد تمرد معاوية على هذا الأمر، وجمع الناس حوله بذريعة الثأر لعثمان وتحرك نحو الكوفة لمقاتلة الإمام. وتقابل الجيشان في منطقة بالقرب من نهر الفرات تسمى صفين. وتلاقى الجيشان 90 مرة في هذه المعركة، ولجأ معاوية في النهاية إلى حيلة عمرو بن العاص عندما أحس بقرب هزيمته فأمر جيشه برفع المصاحف على الرماح والتحكيم ووقف الحرب.

أثرت خديعة عمرو بن العاص، وحصل اختلاف في جيش الإمام واضطروه إلى قبول التحكيم.

بدأت حرب صفين في شهر صفر من عام 37 هجري قمري، واستمرت مدة 110 يوماً. ومجموع القتلى في هذه المعركة هو 70000 شخصاً، وقتل من جيش معاوية 45000 نفر.

[38] روي عن الرسول الأكرم (ص) أنه قال: "حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً. حسينُ سبطُ من الأسباط". راجع الإرشاد للشيخ المفيد: ص233.

[39] راجع الهامش 20 و 52.

[40] غادر الإمام الحسين (ع) المدينة إلى مكة بعد أن امتنع عن مبايعة يزيد. وبعد أن أقام أربعة أشهر في مكة تحرك نحو الكوفة بسبب الدعوات التي استلمها (عليه السلام) من أهل الكوفة وبيعتهم له والظروف التي أوجدها عمال يزيد في مكة، وغادرها في اليوم الثامن من ذي الحجة عام 60هــ ق رغم إقامة مراسم الحج. وخرج الإمام من مكة في وقت كان يتوجه إليها المسلمون من مناطق مختلفة للمشاركة في المراسم العبادية السياسية للحج.

[41] إن السابع عشر من شهريور عام 1357هــ ش (8/9/1978) والمشهور بالجمعة السوداء يعد واحداً من الأيام المليئة بالذكريات المرّة في تاريخ الثورة الإسلامية للشعب الإيراني.

فبعد المظاهرات الحاشدة المنقطعة النظير في يوم 13 شهريور (4/9/1978) بعد صلاة عيد الفطر في طهران، خرجت مظاهرات مشابهة في يوم 16 شهريور (السابع من سبتمبر) في طهران، وتقرر أن تقام مظاهرات أخرى في صباح اليوم التالي (صباح الجمعة) في ميدان جاله (ميدان الشهداء) في طهران. وتحركت الجماهير صباح يوم الجمعة نحو هذا الميدان ووصل عدد المجتمعين إلى مائة ألف شخص وذلك في حدود الساعة السادسة صباحاً.

حاصرت قوات الملك الميدان المذكور من جميع الجهات، ووجهوا فوهات البنادق نحو الجماهير. وفي هذه الساعة بالذات أعلن في الراديو بشكل مفاجئ عن قيام الأحكام العرفية في طهران وعشر مدن أخرى! وفتحت قوات النظام النار ضد الناس، واستشهد في هذا اليوم أكثر من أربعة آلاف شهيد إضافة إلى مئات الجرحى. وأعلن النظام الملكي أن عدد القتلى هو 58 شخصا والجرحى 25 شخصاً.

[42] بحار الأنوار: ج44، ص288.

[43] روي أن الإمام محمد الباقر (ع) أوصى بــ 800 درهم لإقامة المآتم ومجالس العزاء. وقال الإمام الصادق (ع): ما معناه (لقد قال لي أبي يا جعفر ليوقف من مالي ويؤجر به من يرثني عشر سنوات في منى في مواسم الحج ويبكي عليَّ ويجدد المآتم لإظهار مظلوميتي). راجع جلاء العيون للمجلسي: ص692.

[44] ورد عن الإمام الحسين (ع) قوله: "ومن بكى أو أبكى واحداً فله الجنة، ومن تباكى فله الجنة". راجع بحار الأنوار: ج44، ص288.

[45] كتب ملك الشعراء بهار: كان يوم عاشوراء. دخلت مجموعة من القوزاق بقيادة رضا خان (قبل أن يصبح ملكاً) إلى السوق بشكل منظم. وكانت بعض الفرق الموسيقية تعزف موسيقى الرثاء، وكان معهم حصاناً، وشوهد رضا خان في مقدمة المجموعة نازعاً قبعته وينثر القش على رأسه... كما دخلت هذه المجموعة من القوزاق إلى السوق ليلة الحادي عشر من المحرم وهم يشعلون الشموع. وكان قائدهم عاري الرأس وحافي القدمين ويمسك بشمعة في يده، ثم دخل مع مجموعته إلى المسجد الجامع مسجد الشيخ عبدالحسين الذي كانت تقام فيه أكبر مجالس العزاء في تلك الأيام وطافوا مرة واحدة حول المجلس. وكشفت هذه التظاهرات أن القائد يهتم بشدة بمقدسات الدين، واستمرت هذه التظاهرات لسنتين أو ثلاثة حتى أصبح رئيسا للوزراء. إذ بدأ تدريجياً بمنع مجالس العزاء واللطم والمواكب، ثم أصبح فيما بعد العدو اللدود للإسلام". انظر تاريخ مختصر أحزاب سياسي، ج1، ص183ــ184.

[46] تأسست منظمة الأمن والمخابرات في البلاد والمعروفة بالسافاك عام 1957 بشكل رسمي بموجب الأمر الذي أصدره محمد رضاخان.

كانت تلك المنظمة مسؤولة عن قمع المعارضين للنظام الملكي والوقوف بوجه النشاط الإسلامي. وكان الارتباط والتعاون الوثيق قائماً بين السافاك والسي آي آي (منظمة المخابرات الأمريكية) والموساد (منظمة المخابرات الإسرائيلية). ولشدة قسوة السافاك في تعذيب السجناء السياسيين، أعلن الأمين العام لمنظمة العفو الدولية في عام 1975: "أنه لا توجد دولة في العالم تملك صحيفة أعمال سوداء في مجال حقوق الإنسان كما تملكها إيران". ويقصد الإمام في عبارته: "رجال السافاك لرضاخان" "رجال الأمن لرضاخان".

[47] راجع هامش 4.

[48] "آل سعود" هي كنية الأمراء الوهابيين الذين يحكمون جزيرة العرب والذين غيّروا اسمها إلى العربية السعودية. وفي عقيدة الوهابية إن جميع فرق المسلمين سواء السنة أو الشيعة هم من المشركين والكفار وفي عداد عبدة الأصنام.

وإن ثمرة 268 سنة من حكم هذه العائلة لأبناء جزيرة العرب ليست سوى الفقر والعمالة والحرمان المادي والمعنوي. وكان رؤساء هذه الإمارة يخدمون أهداف الاستعمار الإنجليزي والامبريالية الأميركية في الفترة الأخيرة.

[49] يعد آية الله العظمى الحاج الشيخ عبدالكريم الحائري اليزدي (1276 ــ 1355هــ ق) من الفقهاء العظام ومراجع تقليد الشيعة في القرن الرابع عشر الهجري، وبعد أن درس المقدمات سافر إلى النجف وسامراء ودرس على أساتذة مثل الميرزا الشيرازي الكبير والميرزا محمد تقي الشيرازي والآخوند الخراساني والسيد كاظم اليزدي والسيد محمد أصفهاني الفشاركي. ثم جاء إلى أراك في عام 1332هــ ق، وتشرف بزيارة قم في عام 1340هــ ق، وبسبب إلحاح بعض لكبار في قم واستخارة الله قرر الإقامة فيها وأسس الحوزة العلمية في قم.

تربى في حوزته العلمية علماء كبار يقف الإمام الخميني (س) في مقدمتهم. ومن آثاره في الأصول "درر الفوائد"، وفي الفقه "الصلاة"، و "النكاح"، و "الرضاع" و "المواريث".

 



تعداد بازدید:  2647




Skip Navigation Links
دستور الجمهورية الاسلامية الايرانيةدستور الجمهورية الاسلامية الايرانية
ذكرياتذكرياتExpand ذكريات
المقالاتالمقالات
سيرة الإمام الخميني (ره)سيرة الإمام الخميني (ره)Expand سيرة الإمام الخميني (ره)
كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)Expand كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)
احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)Expand احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)
الوصية الإلهية السياسيةالوصية الإلهية السياسيةExpand الوصية الإلهية السياسية
اشعار حول الامام اشعار حول الامام Expand اشعار حول الامام